الصحوة – بلقيس الهنداسية
لطالما ارتبط التدخين بمشاكل صحية جسدية كأمراض القلب والرئة، إلا أن الأبحاث الحديثة تسلّط الضوء على جانب جديد أكثر عمقًا، يتمثل في تأثيره السلبي على الصحة النفسية؛فبعكس الفكرة الشائعة بأن التدخين يقلل التوتر، يُظهر النيكوتين تأثيرًا معاكسًا؛ حيث يزيد من مستويات القلق ويعمّق مشاعر الاكتئاب، مما يجعله عاملًا مضاعفًا للأعباء النفسية بدلاً من أن يكون مهدئًا لها.
” الرحمة للعلاج المعرفي والسلوكي” نشر ملفا توضيحيا استعرض فيه: كيف أن التخلي عن التدخين يمكن أن يحسّن الحالة النفسية، ويمنح المدخن حياة أكثر هدوءًا واتزانًا على خلاف الفكرة الشائعة التي تم الترويج لها على مدار هذه السنوات بأن التدخين قد يكون وسيلة للتغلب على التوتر والضغوط اليومية، وأنه يمنح شعورًا بالاسترخاء؛ فالدراسات العلمية تنفي هذه الفكرة بشكل قاطع؛ فيُعد النيكوتين وهو المادة الأساسية في التبغ، محفزًا لإفراز هرمون الكورتيزول المعروف باسم “هرمون التوتر”،وعندما يزيد مستوى الكورتيزول، يبدأ تأثيره على الجهاز العصبي المركزي، مما يؤدي إلى زيادة في مستويات القلق والاكتئاب،هذا التوتر المستمر الذي يتفاقم مع الزمن يجعل المدخنين أكثر عرضة للاضطرابات النفسية، على الرغم من شعورهم المؤقت بالراحة بعد التدخين.
لا يقتصر الأمر على التوتر فحسب؛ فالنيكوتين يترك آثارًا سلبية على قدرات التفكير والذاكرة؛فيؤثر التدخين بشكل مباشر على عمل الدماغ، مما يسبب صعوبة في التركيز والانتباه،وبدلاً من أن يكون التدخين عاملًا مساعدًا، فإنه في الواقع يضعف القدرة على التعلم وتذكر المعلومات، ويترك المدخن في حالة من التشتت الذهني، وكل هذه الصعوبات العقلية تؤدي بدورها إلى انخفاض في الأداء اليومي، وتؤثر على حياة المدخن الشخصية والمهنية.
من الآثار السلبية الأخرى للتدخين على النفسية هو تأثيره على النوم؛حيث يعاني المدخنون من اضطرابات النوم بشكل متكرر، بما في ذلك الأرق وصعوبة الحصول على نوم عميق ومريح؛ فالنوم المضطرب يجعل الشخص أكثر عرضة للضغوط ويزيد من تقلبات المزاج، مما يزيد من عبء التوتر النفسي،علاوة على ذلك يسبب التدخين زيادة في مستويات العدوانية والتهيج، ما يجعل العلاقات الاجتماعية للمدخن أكثر تعقيدًا ويؤثر على تفاعلاته مع الآخرين، وقد يعزز من شعور المدخن بالعزلة.
إلى جانب كل هذه الأضرار، تشير الأبحاث إلى أن التدخين يرفع من خطر الإصابة بأمراض نفسية مزمنة مثل الفصام والاضطراب ثنائي القطب،فتزيد هذه الأمراض من تعقيد الصحة النفسية للمدخنين وتؤثر على جودة حياتهم.
-ما هو دور العلاج المعرفي السلوكي في مساعدة المدخنين؟
لمساعدة المدخنين على الإقلاع بشكل فعّال يُصنّف العلاج المعرفي السلوكي أداة فعالة لمواجهة الرغبات الشديدة للتدخين،هذا النوع من العلاج يساعد الأشخاص على تعديل الأفكار السلبية المرتبطة بالتدخين ويمنحهم استراتيجيات جديدة للتعامل مع التوتر والقلق ، كما يمكن من خلاله تعلم طرق جديدة للتفكير واستبدال العادات السيئة بأخرى صحية، مما يجعل الشخص أكثر قدرة على التكيّف مع الحياة اليومية دون الاعتماد على التدخين كوسيلة للتغلب على الصعوبات.
-تجديد التوازن: كيف يُعيد الإقلاع عن التدخين الراحة النفسية والثقة؟
الإقلاع عن التدخين هو أكثر من مجرد قرار صحي؛ فهو خطوة نحو حياة نفسية أفضل ومستقبل أكثر إيجابية؛فالتخلص من النيكوتين يمنح الجسم والعقل فرصة لاستعادة توازنهما الطبيعي، ويعزز من القدرة على مواجهة التحديات اليومية بثقة،فيُعد الإقلاع عن التدخين استثمارًا طويل الأمد في الصحة الجسدية والنفسية، مما يفتح أبوابًا جديدة لحياة أكثر سعادة واستقرارًا.




























