الصحوة – وعد بنت يعقوب المحروقي
كانت الفلسفة العقابية التقليدية ترى أن الهدف الأساسي من العقوبة هو إيلام الجاني والتنكيل به، إلا أنها تغيرت بمرور العصور وتغير مفهوم الهدف من العقوبة إلى إصلاح المحكوم عليه وتأهيله ليعود فرد صالح في المجتمع مما جعل العقوبة بمفهومها التقليدي، وعلى وجه الخصوص عقوبة السجن قصير المدة، غير قادرة على مواكبة ذلك لذا كان لابد من استحداث عقوبات بديلة تحل محل العقوبات الأصلية، تحافظ على كرامة المحكوم عليه وحريته من جهة وتُقوّم سلوكه من جهة أخرى.
وجدنا أن المشرع الجزائي في أغلب التشريعات لم يعرف العقوبات البديلة إنما اكتفى بالإشارة إلى صورها، كما لم تستقر الآراء الفقهية في إيجاد تعريف لها، بل واختلفوا في تسمياتها، فهناك من سماها “بدائل السجون” أو “عقوبة النفع العام”، وعموماً يمكن تعريفها بأنها: تدابير يفرضها المشرع الجزائي لتحل محل العقوبات الأصلية وعلى وجه الخصوص عقوبة السجن قصير المدة.
ومن أهم مزايا هذه العقوبات البديلة أنها تحفظ حرية وكرامة المحكوم عليه من خلال تجنيب دخوله السجن والاختلاط بالمجرمين، فضلا عن بقاء المحكوم عليه بجانب عائلته والمحافظة على عمله -إذا كان له عمل. تقلل الخسائر المالية للدولة، فكما هو معلوم أن الدول تنفق أموال طائلة على منظومة السجون، وتحل مشكلة اكتظاظ السجون وما يترتب عليها من مساوئ كعدم القدرة على تنفيذ البرامج العقابية والتأهيلية للمحكوم عليهم.
ويعد نظام الوضع تحت المراقبة الإلكترونية من أهم البدائل وفق السياسة الجنائية الحديثة باعتبار أنه نظام مستحدث يواكب التطور العلمي والتكنولوجي والذي تبنته العديد من التشريعات في منظومتها العقابية. وتعد الولايات المتحدة الأمريكية من أوائل الدولة التي طبقت هذا النظام ثم تليها كندا، فرنسا، السويد. وعلى الصعيد العربي أخذت به دول كالإمارات العربية المتحدة، البحرين، الكويت، الجزائر، المغرب.
يقوم النظام على فكرة تنفيذ العقوبة خارج أسوار السجن لذلك أَطلق عليه “السجن في البيت”، وعرفه الفقه أنه إلزام المحكوم عليه بالإقامة في منزله أو محل إقامته خلال ساعات محددة، بحيث يتم متابعة ذلك عن طريق أجهزة إلكترونية. وقد تبنى المشرع الإماراتي هذا النظام في قانون الإجراءات الجزائية الاتحادي رقم (38) لسنة 2022، وعرف المراقبة الإلكترونية في المادة (383) على أنها :(حرمان المتهم أو المحكوم عليه من أن يتغيب في غير الأوقات الزمنية المحددة له عن محل إقامته أو أي مكان آخر يعينه الأمر الصادر من النيابة العامة أو المحكمة المختصة…).
ويشترط لتطبيق نظام المراقبة الإلكترونية توافر الشروط القانونية المتعلقة بالمحكوم عليه والعقوبة، والشروط المادية المتعلقة بتحديد مكان الإقامة وهذه الشروط تختلف من تشريع لآخر، وفي المادة (397) من قانون الإجراءات الجزائية الاتحادي المشار إليه أعلاه حدد المشرع الإماراتي شروط تطبيق النظام وذلك بأن لا تزيد مدة الحبس عن سنتين، وأن تكون ظروف المحكوم عليه أو سنه يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى ارتكاب جريمة أخرى، وبأن يكون له محل إقامة ثابت ومعلوم في الدولة، أو يثبت بأنه يمارس نشاطاً مهنياً أو يتابع نشاطه التعليمي أو تدريباً مهنياً معترف به، أو بأنه العائل الوحيد لأسرته، وألا يكون عائد. وتطبيقا لذلك قضت محكمة العين الابتدائية بمعاقبة المتهم بالحبس لمدة سنتين عن تهمة تعاطي المؤثرات العقلية في غير الأحوال المرخص بها، وأمرت بتنفيذ العقوبة بنظام المراقبة الإلكترونية.
تنوعت آلية تنفيذ النظام نتيجة لانتشاره، وأبرز ثلاث طرق هي: المراقبة الإلكترونية عبر الأقمار الصناعية (الستالايت)، والنداء التلفوني، والبث المتواصل (السوار الإلكتروني). ويجب أن تتوافر في الوسيلة الإلكترونية مجموعة من المواصفات كأن لا تسبب ضرراً صحياً للشخص الخاضع للمراقبة، وألا تشكل عائقاً عند ممارسة العمل والمهام الحياتيه، وأن تضمن الخصوصية وحرمة الحياة الخاصة.
لم يأخذ المشرع العماني بنظام المراقبة الإلكترونية، كما لم ينص على العقوبات البديلة صراحة في قانون الجزاء العماني الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (7/2018)، إنما نص على بعض صور العقوبات البديلة في المادة (57) من القانون المشار إليه كعقوبات تبعية أو تكميلية، وهذه العقوبات لا يمكن للقاضي أن يحكم بها مستقلة، إنما لابد أن يلحقها بعقوبة أصلية كعقوبة السجن.
ونرى أن على المشرع العماني تطوير تشريعاته العقابية بتضييق نطاق العقوبات السالبة للحرية؛ لثبوت فشلها في إصلاح وتأهيل المحكوم عليهم من جهة والحد من انتشار الجريمة من جهة أخرى، وتبني فكرة العقوبات البديلة التي أصبحت جزءً من السياسة العقابية، سواء بإصدار قانون مستقل للعقوبات البديلة أسوة ببعض الدول، كالبحرين والمغرب، أو تعديل نص المادة المشار إليها أعلاه وذلك بالنص صراحة على العقوبات البديلة وعلى وجه الخصوص نظام المراقبة الإلكترونية كون أن الدول اتجهت لاستخدام التقنية الحديثة في مجال العدالة الجنائية.




























