شهيرة الحسن
من أهم خطوات الوصول إلى تصميم هندسي ناجح، تحديد المقاسات بما يتناسب مع المستخدم و المهمة المطلوبة في المكان المنشود (كما ذكرت في مقالي السابق).
يوازي هذه الخطوة في الأهمية خطوة دراسة المساحات في الفضاء الواحد، أي تقسيم الفضاء بخطوط (تكاد تكون وهمية) تضمن فعالية التصميم و الاستفادة من عناصره بأكبر صورة. و لا أقصد هنا ترتيب قطع الأثاث فقط، بل أيضًا تشمل دراسة المساحات اختيار الكماليات و الإضاءة و غيرها من عناصر التصميم (التي سنتطرق لها في المقالات القادمة بإذن الله) .
و قد يَسْهو البعض عن أهمية الفراغ بين هذه العناصر، أي المساحة الفارغة التي يتنقل المستخدم فيها (Circulation Space).
الترجمة الحرفية لهذا المصطلح تكاد تكون “مسار الدورة”، كما في الدورة الدموية في جسم الإنسان، حيث هناك مسار محدد يتم التدفق فيه إلى باقي أعضاء الجسم.
في هذا المقال أنا بصدد التعريف بهذا المسار الفارغ، أهميته، و تأثيره على فعالية التصميم، اختلاف قياساته و كيفية تنبؤها.
المساحة الفارغة بين عناصر التصميم لها استخدامات غير منتهية، و قد يشكل الفراغ مئات المسارات للمستخدم المتنقل فيه. لكن المصمم خلال التصميم يحاول دراسة المكان لتحديد نوع و مقاييس الفراغات و ذلك حسب النقاط التالية :
- نوع المهام المطلوبة التي يخدمها الفضاء الواحد.
- نوع استخدام الفضاء (خصوصي/عمومي، سكني/تجاري).
- عدد المستخدمين و المستفيدين من المكان.
- الإقبال على المكان (مكتظ/هادئ).
نظرًا للنقاط السابقة نستطيع الإجماع أنها تساهم جميعها (بشكلٍ أو بآخر) في دراسة الفراغ. و قد يختلف التصميم كليًّا من مستخدم لآخر على ضوء النقاط السابقة. و لتبسيط الفكرة أستطيع طرح مثال للتقسيم الأمثل في التصاميم السكنية :
- مسارات تصمم للاستخدام من طرف أفراد العائلة، تراعي تنقل الأفراد بمختلف مهامهم المتكررة.
- مسارات تقسم لتسهل العمل في مهمة واحدة محددة (مثلًا تحضير الطعام).
- مسارات تشمل تنقل الأفراد من و إلى خارج المنزل مع الأخذ بعين الاعتبار نقل الأشياء كذلك.
- مسارات نادرة الاستخدام من قبل الضيوف أو للتخزين.
كما أن تقسيم الغرف في التصميم يؤثر على المسارات، فمثلًا:
- من البديهي أن تكون غرفة الضيوف قريبة من غرفة المائدة مما يخلق مساحات علينا مراعاة التنقل فيها.
- و من البديهي كذلك أن المطبخ يجب أن يكون قريبًا من غرفة المائدة لتقديم الطعام و جمعه بأسهل الطرق.
- من المهم وجود دورات المياه بقرب غرف النوم، لسهولة الاستخدام و الخصوصية.
و تعد مبادئ دراسة الفراغات و أثرها تقنيات استخدمت من القدم حيث بدأ العمل على تكوين تصاميم المطابخ على يد المهندسة و المختصة في المجال النفسي الصناعي (Dr. Lillian Gilberth ) التي ذكر الفيلم الكوميدي الشهير ( Cheaper by The Dozen ) جانب من حياتها.
ثم قامت جامعة (University of Illions School of Architecture) بإنشاء مبدأ الـ ( Kitchen Work Triangle ) و هو عبارة عن وضع أسس لتصميم فضاء المطبخ تحديدًا و ذلك برسم خطوط (وهمية) على شكل مثلث زواياه الثلاثة هي أهم الأدوات في المطبخ (الثلاجة – الفرن – حوض الغسيل). مع الأخذ بالحسبان أن التصميم المثالي لا يتجاوز جمع أضلاع المثلث الوهمي 26 قدم أي ما يقارب 9 أمتار تسمح بحرية و سرعة التنقل بين نقاط المثلث خلال مهام المطبخ.
و كان ذلك للتقليل من التكاليف المستخدمة في تصاميم المطبخ ( بما أن تحضير الطعام و تخزينه مهام تتكرر في أغلب المباني)، و توحيد البنية الرئيسية لتصميم المطابخ مع توفير الكثير من الخيارات في التشكيلات المختلفة.
و هذا الترتيب يعكس فعالية التصميم جماليًا و مهامًا، كلما كانت الزوايا أقرب (لكن ليست ملتصقة) كلما كان التنقل في المطبخ أسهل.
خلاصة القول أن الفضاءات التي تستخدم كثيرًا يجب أن تكون قصيرة و مباشرة لكنها في الآن ذاته يجب أن تكون كافية و مريحة للتنقل. كذلك لا ينصح بتضييع الفضاءات في خلق مساحات لا داعي لها.
انظر حولك.. هل المسارات في بيئتك مريحة؟ هل هي آمنة؟ هل أخذت النقاط السابقة بعين الاعتبار؟



























