الصحوة – علي الحداد
منذ توقيع المبادرة الخليجية عام 2011، واليمن يمر بتحولات دراماتيكية قادته إلى واحدة من أعقد أزماته في التاريخ الحديث. فشل المرحلة الانتقالية في تلبية تطلعات التغيير فتح الباب أمام صراع مسلح، بلغ ذروته بسيطرة جماعة الحوثي على صنعاء عام 2014، وتحوّل منذ 2015 إلى حرب مفتوحة خلّفت كارثة إنسانية واقتصادية وأمنية غير مسبوقة.
أكثر من عقد من التمزق والدمار كان كافيًا ليُدرك اليمنيون أن منطق القوة قد فشل، وأن الدولة لا تُبنى بالهيمنة، بل بالتوافق والاحتواء. لقد بات واضحًا أن لا سبيل لاستعادة الوطن إلا من خلال مصالحة وطنية شاملة، لا تُقصي أحدًا ولا تستثني طرفًا. مصالحة لا تعني التغاضي عن الحقوق أو نسيان الجرائم، بل تقوم على الاعتراف الجماعي بأن المشروع الوطني لا يمكن أن ينهض إلا على أسس العدالة، والمواطنة المتساوية، والاعتراف المتبادل.
في لحظات التحول الكبرى، لا تُبنى الأوطان بالشعارات، بل بالإرادة الصلبة والقرارات المصيرية التي لا يتخذها إلا القادة أصحاب البصيرة والقدرة على تجاوز الحسابات الضيقة. وفي اليمن، أصبحت الحاجة إلى مثل هذه الإرادة ضرورة وجودية، لا مجرد خيار سياسي.
السلام المنشود ليس مجرد هدنة أو ترتيب ميداني مؤقت، بل مشروع وطني متكامل يعيد للوطن اعتباره، ويؤسس لمسار سياسي شامل ينطلق من الداخل اليمني، لا من إملاءات الخارج. لقد أثبتت الوقائع أن الرهان على التدخلات الإقليمية والدولية، سواء دعمًا أو خصومة، لا يصنع سلامًا دائمًا، بل يطيل أمد النزاع، ويدخل الصراع في شبكة مصالح معقدة يصعب تفكيكها.
لذا، فإن أي مبادرة للسلام يجب أن تكون يمنية النشأة، وطنية الإرادة، ومدعومة دوليًا دون أن تكون مرتهنة له. والمطلوب اليوم هو حوار وطني واسع، لا يقتصر على النخب التقليدية، بل يشمل الشباب، والنساء، والمجتمع المدني، وكل القوى المؤمنة ببناء يمن جديد يتسع للجميع.
وفي هذا السياق، على جميع الأحزاب والمكونات والطوائف أن تدرك أن لحظة المصارحة والمصالحة قد حانت. لا بد من التنازل، والتوحد، وطي صفحة الماضي بقول جامع: “عفا الله عما سلف”. وهذا لا يعني القفز على المظالم أو إلغاء الحقوق، بل هو إقرار بأن الوطن فوق كل خلاف، وأن التعايش لا يعني الاستسلام، بل هو ارتقاء فوق الجراح لبناء ما تهدّم.
إن المصالحة لم تعد ترفًا نخبويًا، بل أصبحت شرطًا لبقاء الدولة، وضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. فإما أن ينهض اليمن بوحدته، أو يغرق أكثر في دوامات الثأر والانقسام. لقد آن الأوان ليرتفع العلم اليمني فوق كل راية حزبية، ولتُقدَّم كرامة المواطن على كل طموح سياسي، ولتُجعل مصلحة اليمن فوق كل الحسابات.
قرار المصير لا يُصنع في أوقات الراحة، بل في لحظات الاختبار الكبرى، حين يكون على القادة أن يختاروا بين إرث الانقسام، أو شرف التأسيس لوطن جديد. وما يحتاجه اليمن اليوم ليس مزيدًا من الخطابات، بل إرادة مسؤولة، وقيادة تضع مصلحة الشعب أولًا، وتمضي بمشروع وطني جامع يطوي صفحة الصراع، ويفتح عهدًا جديدًا من التعايش والعدالة.
فالسلام لم يعد خيارًا ثانويًا، بل هو واجب تاريخي، وقوة أخلاقية، ومسار إجباري نحو الاستقرار والبناء. وإن لم تُغتنم هذه اللحظة المفصلية، فإن الوطن سيبقى عالقًا في دوامة الفقد والتشرذم، وستظل الأجيال القادمة تدفع ثمن صراعات لم تخترها.
لقد آن لصوت الوطن أن يعلو فوق صوت السلاح، ولراية السلام أن تُرفَع على أرض أنهكها الصراع، وآن لأبناء اليمن أن يصنعوا مستقبلهم بأيديهم، على قاعدة الشراكة لا التنازع، والتسامح لا الثأر، والعدالة لا الإقصاء .



























