الصحوة – عبدالفتاح الصناعي
علاقةٌ نسجتها أمواج المحيط الهندي، ورسختها قيم الاعتدال والانفتاح واحترام الإنسان. وتتواصل اليوم في ظل السياسة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- التي جعلت من الحوار والتسامح نهجاً ثابتاً، ومن الشراكة والتعاون سبيلاً لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة والعالم.
لم يكن المحيط الهندي مجرد امتداد جغرافي يفصل بين السواحل، بل كان عبر آلاف السنين فضاءً حضارياً مفتوحاً شكّل جسراً للتواصل بين عُمان والهند، حيث تلاقت التجارة بالثقافة، والمصالح بالتفاعل الإنساني، في واحدة من أقدم العلاقات المستمرة في التاريخ البحري.
فمنذ العصور القديمة ارتبطت عُمان، عبر حضارة مجان، بالسواحل الهندية، ونشطت حركة السفن بين الموانئ العُمانية والهندية محملة بالنحاس واللبان ، وعائدة بخشب الساج والتوابل والمنسوجات. وقد لعبت صحار دوراً محورياً كمحطة رئيسية في شبكة الملاحة بالمحيط الهندي، ونقطة وصل بين العالم العربي وشرق آسيا.
ومع بزوغ الإسلام، تعزّز هذا الامتداد الحضاري، وتحولت صحار ومسقط إلى مراكز تجارية عالمية يقصدها التجار من الهند والسند وشرق أفريقيا والصين، في تواصل بحري وثقافي مستمر عزّز حضور عُمان في المحيط الهندي ورسخ علاقاتها المتوازنة مع محيطها الإقليمي والدولي.
وتتجلى في التجربة الهندية الحديثة فلسفة المهاتما غاندي في أسمى صورها، عبر “المقاومة السلمية” بوصفها تعبيراً عن قوة الحقيقة ورفض العنف، حيث تتحول الأخلاق إلى فعلٍ مقاوم يواجه الظلم دون التفريط بإنسانية الإنسان. وهنا يلتقي هذا البعد الفلسفي مع الدبلوماسية العُمانية التي رسخت مبدأ الحوار وتجنب الصدام، وبناء العلاقات على أساس الاحترام المتبادل والتوازن، بعيداً عن الاستقطابات والصراعات، في نموذج يقوم على أن الاستقرار يُبنى بالتفاهم والثقة لا بالقوة.
كما يبرز جواهر لال نهرو بوصفه أحد أبرز رموز السياسة الخارجية الهندية الحديثة، الذي أسس رؤية قائمة على الانفتاح وتبني سياسة “عدم الانحياز”، بما يعكس السعي إلى استقلال القرار ورفض الاصطفاف في المحاور الدولية. وهنا يتقاطع نهج نهرو مع السياسة العُمانية التي تبنت مسار التوازن والاعتدال، وبناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، مع الحفاظ على شراكات صداقة مع الجميع، انطلاقاً من قناعة بأن الحوار هو الطريق الأجدى لصناعة الاستقرار.
وتتجسد الهند وعُمان في هذا السياق كمساحتين حضاريتين نجحتا في بناء علاقات متوازنة مع الشرق والغرب معاً، دون فقدان هويتهما، مع تعزيز نسيجهما الاجتماعي القائم على التنوع والتعدد والتسامح، بما يعكس نضجاً حضارياً متجذراً في التجربتين.
إن العلاقات العُمانية الهندية ليست مجرد امتداد تاريخي للتجارة أو المصالح، بل هي تعبير حيّ عن لقاء حضارتين عريقتين صاغتا عبر الزمن نموذجاً متفرداً في التفاعل الإنساني، جعل من المحيط الهندي فضاءً للحوار لا حاجزاً للفصل.
وتجسد عُمان والهند معاً ما يمكن وصفه بـ”حكمة الشرق” في أرقى صورها، حيث تتداخل فلسفة التسامح الهندية مع النهج العُماني القائم على الاعتدال والتوازن والدبلوماسية الهادئة. ومن هذا التقاطع الحضاري تتشكل رؤية مشتركة تؤكد أن التنوع مصدر قوة، وأن التواصل بين الشعوب مسار حضاري طويل يقوم على الاحترام المتبادل وقيم السلام والانفتاح والإنسانية.
وتتواصل هذه العلاقة اليوم في شراكة متنامية بين سلطنة عُمان وجمهورية الهند في ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- حيث تتوسع مجالات التعاون في الاقتصاد والطاقة والموانئ والأمن البحري والتكنولوجيا، بما يعكس انتقال العلاقة من إرث حضاري ممتد إلى شراكة استراتيجية حديثة.
إن قصة عُمان والهند ليست مجرد تاريخ للتجارة، بل هي حوار حضارتين التقتا في البحر كما التقتا في القيم، لتقدما نموذجاً إنسانياً ممتداً في العلاقات بين الأمم، يقوم على أن السلام مسار حضاري تصنعه الثقة، وتثبته التجارب، وتواصله الشعوب عبر الزمن.



























