الصحوة – عبدالفتاح الصناعي
في قلب الجزيرة العربية، حيث تتجاور الجغرافيا وتلتقي مسارات التاريخ، نشأت بين سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية علاقة ضاربة في العمق، تجاوزت حدود المكان لتصبح امتدادًا لروابط الأخوة والجوار والمصالح المشتركة. فعُمان والسعودية جزء من النسيج العربي للجزيرة العربية، تجمعهما روابط التاريخ والثقافة والقيم الأصيلة التي شكلت عبر القرون جسوراً من التواصل والتقارب بين أبناء المنطقة.
ومنذ القدم، كانت حركة الإنسان والتجارة والتنقل بين مناطق الجزيرة جسورًا للتفاعل الحضاري، حملت معها قيم التعاون والتكامل، ورسخت مفهوم الأخوة التي تتجاوز حدود الجغرافيا. ولم تكن الجغرافيا يومًا فاصلاً بين الأشقاء، بل كانت مساحة للتواصل وصناعة المصالح المشتركة. ومن هذا الإرث التاريخي، تطورت العلاقة العُمانية السعودية في العصر الحديث لتقوم على أسس راسخة من الاحترام المتبادل والثقة المتبادلة، والإيمان بأن استقرار الخليج لا يتحقق إلا من خلال التعاون والتفاهم بين دوله.
إنها علاقة لم تُبنَ على المصالح العابرة، بل على إدراك مشترك بأن أمن الخليج واستقراره مرتبطان بقدرة دوله على التعاون والتكامل. وقد استطاعت مسقط والرياض، عبر مراحل مختلفة، أن تؤسسا نموذجاً للعلاقات بين الدول الشقيقة يقوم على الحوار، وتغليب المصالح المشتركة، والنظر إلى المستقبل باعتباره مساحة واسعة للشراكة والتنمية.
ومنذ تأسيس عام 1981، كانت سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية من الدول المؤسسة لهذا الكيان الذي جاء تعبيراً عن إدراك مشترك بأن أمن الخليج واستقراره مسؤولية جماعية، وأن التعاون بين دوله يمثل ركيزة أساسية لمواجهة التحديات وتحقيق التنمية.
وعلى مدى أكثر من أربعة عقود، أسهم العمل الخليجي المشترك في تعزيز قنوات التواصل بين البلدين، وتطوير العلاقات الثنائية ضمن إطار مؤسسي يقوم على التشاور والتنسيق، بما يخدم مصالح الشعبين، ويدعم مسيرة مجلس التعاون نحو مزيد من التكامل.
وتقوم العلاقات السعودية العُمانية على رصيد طويل من الثقة المتبادلة والإدراك المشترك لوحدة المصير الخليجي. فقد استطاع البلدان بناء نموذج خاص في العلاقات بين الدول الشقيقة، يقوم على احترام خصوصية كل دولة، وتغليب المصالح المشتركة، والبحث عن مساحات التعاون التي تخدم الاستقرار والتنمية.
وفي العقود الأخيرة، رسخت سلطنة عُمان نهجاً دبلوماسياً يقوم على الاعتدال، واحترام سيادة الدول، وبناء جسور التواصل مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية. ولم تكن هذه السياسة مجرد موقف ظرفي، بل تعبيرًا عن رؤية تؤمن بأن الحوار والتفاهم يمكن أن يفتحا مسارات للحلول، وأن الاستقرار الإقليمي يحتاج إلى مساحات للثقة وتقريب وجهات النظر.
وقد ظهر هذا النهج العُماني في عدد من الملفات، ومنها الملف اليمني، حيث ركزت مسقط على البعد الإنساني ودعم الجهود التي تخفف من معاناة الشعب اليمني، والإسهام في تهيئة الظروف للحوار والتهدئة، بما في ذلك الجهود المرتبطة بملف الأسرى وفتح قنوات التواصل بين الأطراف، انطلاقًا من قناعة بأن السلام المستدام يبدأ من الإنسان قبل السياسة.
ويتكامل هذا النهج مع رؤية المملكة العربية السعودية في دعم أمن المنطقة وتعزيز الاستقرار الإقليمي، حيث يمثل التقارب بين مسقط والرياض نموذجًا لتكامل السياسات والرؤى، وتنسيق الجهود من أجل بناء بيئة إقليمية أكثر أمناً، ودعم المسارات الدبلوماسية التي تخدم أمن الخليج ومصالح شعوبه.
ومع إطلاق رؤية السعودية 2030 ورؤية عُمان 2040، دخلت العلاقات الثنائية مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي، إذ تلتقي الرؤيتان في أهدافهما المتعلقة بتنويع الاقتصاد، وتمكين الإنسان، وتعزيز الابتكار، وتطوير البنية الأساسية، والاستثمار في القطاعات المستقبلية.
ولا يمثل هذا التقارب في الرؤى مجرد توافق في الأهداف، بل يمثل فرصة لتعزيز الشراكات النوعية والاستفادة من الإمكانات والمزايا التي يمتلكها البلدان. فتكامل الخبرات والقدرات الاقتصادية والموقع الجغرافي والمقومات اللوجستية يفتح آفاقاً واسعة أمام تعاون يخدم البلدين، ويدعم مسيرة التكامل الخليجي، ويعزز حضور المنطقة في الاقتصاد العالمي.
وتبرز مجالات النقل والخدمات اللوجستية والطاقة والسياحة والاستثمار بوصفها مساحات واعدة للتعاون، خاصة مع تطور مشاريع الربط وتعزيز حركة التجارة، بما يجعل التكامل بين البلدين عنصرًا مهمًا في بناء اقتصاد خليجي أكثر ترابطاً وتنافسية.
وتتجاوز أهمية التقارب العُماني السعودي حدود العلاقات الثنائية، لتصل إلى أمن الخليج واستقرار المنطقة. ففي ظل التحديات الإقليمية والدولية المتسارعة، تصبح الشراكات القائمة على الثقة والحوار والتنسيق عاملاً أساسياً في حماية المصالح المشتركة وتعزيز قدرة دول المنطقة على التعامل مع المتغيرات.
إن الشراكة بين عُمان والسعودية لا تمثل نجاحًا في مسار العلاقات الثنائية فحسب، بل تحمل أهمية أوسع في تعزيز منظومة العمل الخليجي، ودعم مكانة مجلس التعاون كإطار للتعاون والتنسيق وحماية المصالح المشتركة.
ففي ظل ما تشهده المنطقة من تحديات وتحولات متسارعة، يؤكد التقارب بين مسقط والرياض أهمية الحوار والتهدئة وتغليب الحلول السياسية، بما يعزز أمن الخليج ويفتح مسارات جديدة للاستقرار في الشرق الأوسط. وتبرز جهود البلدين في دعم الدبلوماسية، وبناء جسور التواصل، والمساهمة في معالجة الأزمات الإقليمية، انطلاقًا من قناعة مشتركة بأن السلام المستدام يبدأ من التعاون والثقة واحترام مصالح الشعوب.
ومن عمق التاريخ والثقة المتبادلة، تتجه عُمان والسعودية نحو شراكة مستقبلية تتكامل فيها الرؤى والطموحات، لتكون ثمرتها خليجًا أكثر استقراراً وتماسكاً، ومجلس تعاون أكثر فاعلية، وشرق أوسط أكثر قدرة على تجاوز أزماته عبر لغة الحوار والتفاهم، بما ينسجم مع تطلعات رؤيتي 2030 و2040 لصناعة مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً.



























