الصحوة – سيف الجابري
الابتكار في المجال البيئي يبرز بشكل فاعل اليوم، خاصة مع ما نشاهده من تحديات بيئية متزايدة في العالم، وتختلف التحديات لتشمل التغيرات المناخية وقلة الموارد والتلوث البيئي وغيرها، ويأتي الابتكار في هذا المجال، لإيجاد حلول مستدامة وفعالة. حيث أصبح الابتكار اليوم ضرورة ملحة لحماية كوكبنا وضمان مستقبل آمن للأجيال القادمة.
وسنناقش في هذا الحوار ونسلط الضوء على دور الابتكار في المجال البيئي، وكيف يمكن للأفكار الجديدة، والتقنيات الحديثة، والتعاون بين الأفراد والمؤسسات أن تسهم في بناء بيئة مستدامة. كل هذا الحوار سيكون مع الطالب البراء البدوي من جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بمسقط، ومبتكر في مجال تقنيات البيئة وإدارة الموارد المائية، وحائز على العديد من الجوائز في الابتكار التقني والبحث العلمي ومجال الاستدامة البيئية.
1- كيف ترى دور الابتكار التكنولوجي في التصدي لأزمة التغير المناخي؟
أرى أن الابتكار التكنولوجي لم يعد رفاهية، بل ضرورة حتمية في مواجهة التغير المناخي، فنحن بحاجة لحلول ذكية تتجاوز الطرق التقليدية، وتجمع بين الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة ، وإنترنت الأشياء، والطاقة المتجددة، بهدف الحد من الانبعاثات وتحقيق الكفاءة في استخدام الموارد و استدامتها ، فالتكنولوجيا تمنحنا أدوات لتوقع الكوارث الطبيعية، وقياس التأثير البيئي، وتصميم أنظمة أكثر استدامة و شخصيًا أؤمن أن تسخير هذه الأدوات بأيدينا كشباب يمكن أن يحدث فرقًا فعليًا في مجتمعنا ومحيطنا.
2- ما هي أبرز الابتكارات البيئية التي رأت النور وبدأت تحدث فارقًا ملموسًا؟
من أبرز الابتكارات البيئية التي رأت النور وبدأت تُحدث فرقًا ملموسًا على أرض الواقع، هي تلك التي تعتمد على التكنولوجيا الحديثة وتدمج الاستدامة في صميمها ، فعلى سبيل المثال، برزت تقنيات التقاط وتخزين الكربون (CCS) كحل فعال للحد من انبعاثات المصانع الثقيلة، إلى جانب انتشار الألواح الشمسية المتطورة التي باتت أكثر كفاءة وأقل تكلفة، مما سهل استخدامها على نطاق واسع في المنازل والمزارع ، كما بدأت تقنيات الزراعة العمودية تُحدث نقلة نوعية في إنتاج الغذاء باستخدام مساحات أقل واستهلاك مياه أقل بنسبة تصل إلى 90%، وهو أمر مهم خاصة في المناطق القاحلة.
ومن التقنيات المُلهمة أيضًا، استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل النفايات وتحسين عمليات إعادة التدوير، إضافة إلى تطوير مواد بناء صديقة للبيئة مثل الخرسانات الخضراء التي تمتص ثاني أكسيد الكربون من الجو، كل هذه الابتكارات لم تعد مجرد أفكار تجريبية، بل تحولت إلى حلول واقعية تُطبّق في مدن وشركات، وتُثبت أن التكنولوجيا عندما تُسخّر للبيئة تصبح أداة قوية في مواجهة التغير المناخي
3- هل ترى أن هناك فجوة بين الابتكارات البيئية المتاحة حاليًا وقدرة الدول النامية على تبنيها؟
نعم، الفجوة موجودة فعليًا بالرغم توفر العديد من الابتكارات عالميًا، إلا أن الدول النامية غالبًا ما تعاني من ضعف في البنية التحتية، ونقص في التمويل، وغياب للسياسات الداعمة للابتكار، فجميع هذه العوامل تجعل تبني التكنولوجيا البيئية تحديًا كبيرًا ونحن نحتاج إلى نقل المعرفة، وتوطين التكنولوجيا وتوفير الحوافز المالية، حتى لا تبقى الحلول البيئية حكرًا على الدول المتقدمة دون غيرها. <تم تعديل هذه الرسالة>
4- ما هي أبرز التحديات التي يواجهها المبتكرون الشباب في تحويل أفكارهم البيئية إلى مشاريع عملية ومستدامة؟
أحد أبرز التحديات هي نقص التمويل، ثم تأتي صعوبة الوصول إلى المختبرات والتجهيزات التقنية، وغياب الإرشاد والتوجيه التخصصي، بالإضافة إلى ضعف ثقافة ريادة الأعمال البيئية، وأحيانًا أيضًا يُنظر إلى الابتكارات البيئية على أنها أقل ربحية من غيرها، مما يحد من اهتمام المستثمرين بها وهذا ما نحاول تغييره اليوم من خلال خلق قصص نجاح حقيقية تقنع السوق والمجتمع بأهمية هذه المشاريع وأهمية الاستثمار فيها.
5- كيف يمكن للقطاعين العام والخاص دعم منظومة الابتكار البيئي بشكل أفضل؟
يمكن للقطاعين العام والخاص أن يلعبا دورًا جوهريًا ومحوريًا في دعم منظومة الابتكار البيئي إذا تم العمل بشكل تكاملي واستراتيجي، وليس فقط من خلال مبادرات فردية أو مؤقتة، فيبدأ هذا الدعم بتأسيس حاضنات ومسرّعات أعمال متخصصة في التكنولوجيا الخضراء، توفر للمبتكرين بيئة تمكّنهم من تطوير أفكارهم إلى نماذج أولية ومن ثم تحويلها إلى منتجات قابلة للتطبيق تجاريًا، ويجب ان تتضمن هذه الحاضنات دعمًا تقنيًا، قانونيًا، وتمويليًا، بالإضافة إلى ربطها بخبراء في علوم البيئة وريادة الأعمال.
من جهة أخرى، على القطاع العام أن يسنّ سياسات وتشريعات محفزة للابتكار البيئي، مثل تقديم إعفاءات أو حوافز ضريبية للشركات الناشئة التي تعمل في مجال الاستدامة، وتسهيل الإجراءات التنظيمية لتسجيل منتجات جديدة أو إدخال تقنيات بديلة للأسواق، كما يمكن للحكومات أن تطلق برامج تمويل وصناديق استثمارية خضراء موجهة لدعم الابتكارات البيئية، خاصة في المراحل المبكرة، وهو ما يُعدّ من أكبر التحديات التي يواجهها رواد الأعمال.
أما القطاع الخاص، فعليه أن لا يكتفي بدور الممول، بل أن يكون شريكًا مباشرًا في الابتكار من خلال برامج المسؤولية المجتمعية البيئية (CSR)، والاستثمار في الشركات الناشئة، بل وحتى التعاقد معها لتوفير حلول بيئية داخل العمليات التشغيلية الخاصة به. كذلك، يمكن للشركات الكبرى أن تُنشئ وحدات داخلية للابتكار المفتوح، تدعو فيها الشباب والمبتكرين لتقديم حلول بيئية، ويتم تطويرها لاحقًا بدعم كامل من الشركة.
ولا يقل أهمية عن ذلك بناء شراكات فعالة بين القطاعين العام والخاص والجامعات ومراكز البحوث، بحيث يتم توجيه البحث العلمي نحو حلول عملية تُجيب على التحديات البيئية المحلية، هذه الشراكات يجب أن تكون مبنية على نتائج قابلة للتطبيق، وليست فقط أوراقًا علمية.
أخيرًا، لا بد أن تكون هناك رؤية وطنية موحّدة للابتكار البيئي، يتم من خلالها ربط الجهود، وتحديد الأولويات البيئية التي تحتاج إلى حلول، وتوفير قاعدة بيانات للمشاريع الحالية، وتحفيز التنافس والتعاون في آنٍ معًا، فبهذا التكامل المنهجي، يمكن فعلاً تحويل منظومة الابتكار البيئي من مجرد أفكار متناثرة إلى اقتصاد أخضر متكامل ومستدام <تم تعديل هذه الرسالة. 6- نلاحظ حراكًا شبابيًا في الأخذ بحلول للأزمات البيئية، في رأيك، ما الذي يميز دور الشباب اليوم عن السابق؟ الوعي العميق، والوصول للمعلومة، وسرعة التفاعل مع القضايا البيئية، هي أبرز ما يميز شباب اليوم، فلم يعد الشباب مجرد متلقٍ، بل أصبح شريكًا في الحل، يستخدم أدوات رقمية، ويبتكر، ويضغط لتغيير السياسات. ونحن نرى شبابًا يقودون حملات بيئية، يشاركون في مؤتمرات عالمية، ويؤسسون شركات ناشئة تهدف لحماية البيئة، هذا التحول النوعي في دور الشباب هو الأمل الحقيقي في مستقبل أكثر استدامة. 7- هل هناك منصات تضم الشباب وتضعهم في مجتمع واحد لمواجهة التحديات البيئية؟ نعم، هناك العديد من المنصات الإقليمية والدولية التي تجمع الشباب من مختلف الدول لمواجهة التحديات البيئية ضمن بيئة تشاركية. على سبيل المثال، مؤتمر الأمم المتحدة للشباب المعني بتغير المناخ (COY)، والذي تُعقد سنويًا بالتوازي مع مؤتمر الأطراف (COP)، ويوفران مساحة للشباب من جميع أنحاء العالم لمناقشة السياسات البيئية وطرح الحلول. كما توجد منصات إلكترونية مثل Youth4Climate وUNEP Major Group for Children and Youth التي تتيح مشاركة الأفكار، وتنظيم حملات رقمية، وتقديم برامج تدريبية ومصادر معرفية، إلى جانب ذلك، بدأت تنتشر مبادرات محلية في الدول المختلفة تهدف إلى ربط الشباب بالخبراء وصناع القرار، وتفعيل دورهم في المشاريع المجتمعية البيئية، سواء من خلال النوادي الجامعية أو الجمعيات البيئية أو المبادرات الشبابية التطوعية. هذه المنصات مجتمعة تشكل قاعدة حيوية لبناء جيل واعٍ وفعّال في قضايا البيئة والتغيرات المناخية. 8- من وجهة نظرك، هل التعليم لدينا يهيئ الشباب ليكونوا قادة في مجال العمل البيئي؟ بصراحة، لا يزال التعليم في كثير من أنظمتنا بعيدًا عن أن يكون حاضنة حقيقية لإعداد قادة في مجال العمل البيئي، فالقضايا البيئية غالبًا ما تُطرح بشكل سطحي في المناهج، على شكل معلومات نظرية أو فصول محدودة، دون ربطها بالتحديات البيئية الواقعية التي تعيشها مجتمعاتنا وما نفتقده فعلاً هو منهجية تعليمية متعددة التخصصات تُدمج مفاهيم الاستدامة في كل مادة، من العلوم إلى مناهج اللغات، ومن الجغرافيا إلى الفنون، لتكوين وعي بيئي شامل لدى الطالب منذ المراحل المبكرة. التعليم أيضًا بحاجة إلى أن يكون أكثر تفاعلية وتجريبية، من خلال مشاريع بيئية ميدانية، وزيارات ميدانية لمناطق متأثرة بالتغير المناخي أو مصادر الطاقة المتجددة، وأنشطة تعاونية تُشرك الطلاب في اقتراح حلول حقيقية، كما أن دعم الأنشطة اللاصفية البيئية وتوسيع نطاقها يمكن أن يلعب دورًا كبيرًا في تعزيز روح المبادرة والمسؤولية لدى الشباب، لكن للأسف هذه الأنشطة لا تزال محدودة وغالبًا ما تُدار دون رؤية استراتيجية. من وجهة نظري، إذا أُعيد تصميم المناهج والسياسات التعليمية لتُركّز على الابتكار البيئي، وتُشرك الطلاب في أبحاث وتحديات بيئية واقعية، وتم ربط التعليم بسوق العمل الأخضر، حينها فقط يمكننا أن نقول إننا نُعدّ قادة حقيقيين في هذا المجال. فالمعرفة وحدها لا تكفي، بل نحن بحاجة إلى تمكين، وتدريب، وممارسة. 9- ما الرسالة التي تود أن توجهها للشباب لحثهم على المساهمة في مواجهة التغير المناخي والبيئي؟ لا تستهينوا بقوة الفكرة، ولا تقللوا من شأن أي مبادرة مهما كانت بسيطة، فكل تغيير كبير بدأ بخطوة صغيرة، بخطوة جريئة من شخص آمن أن بإمكانه أن يصنع فرقًا. البيئة ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل مسؤولية مشتركة تقع على عاتقنا جميعًا، خاصة نحن الشباب، لأننا الجيل الذي سيرث هذا الكوكب، فبين أيدينا الآن أدوات لم تكن متاحة للأجيال السابقة كالمعرفة، التكنولوجيا، الشبكات العالمية، وفرص التعلم والعمل المشترك ونحن لا نحتاج إلى موارد ضخمة لنبدأ، بل نحتاج إلى نية صادقة، وعمل جماعي، ورؤية واضحة. ابدؤوا من محيطكم القريب، من مدرستكم أو جامعتكم أو حيّكم، راقبوا التحديات البيئية من حولكم كفرص للتفكير، للابتكار، ولقيادة التغيير وتعاونوا، تواصلوا، علّموا وشاركوا، وكونوا قدوةً في سلوككم قبل كلماتكم فالعالم يحتاج إلى شجاعتكم، إلى أصواتكم، إلى أفكاركم الخارجة عن المألوف. تذكّروا دائمًا أن الأثر الحقيقي لا يُقاس بالحجم، بل بالنية والاستمرارية وربما تكون مبادرتك الصغيرة هي بذرة التغيير التي تلهم الآلاف بعدك، فكن أنت البداية، واصنع الفرق.





























