الصحوة – أحمد الجهوري
العيد في سلطنة عمان ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو تراث عميق متجذر في حياة العمانيين، تتخلله عادات وتقاليد تجمع بين العبادة، الفرح، والهوية، وبينما تتغير مظاهر الاحتفال من جيل لآخر، يبقى العيد مناسبة تجمع القلوب وتحيي القيم.
“الصحوة” أجرت حوارًا مع عدد من كبار السن وشباب اليوم في محافظة الداخلية لتسليط الضوء على الفرق بين عادات العيد قديماً ومظاهر الاحتفال به حديثًا.
العيد في الزمن الجميل: بساطة ودفء
يقول العم سعيد الريامي (78 عامًا):
“زمان كنا ننتظر العيد من بداية رمضان، نجهز الملابس بأنفسنا، وكان الخياط يحيك الثوب في أسابيع، ما كانت في محلات مثل الحين، ليلة العيد كانت كلها تكبيرات ولمة أهل.”
ويضيف:
“أول يوم بعد صلاة العيد، نروح نزور الأهل والجيران، ونعطي (الأطفال) ريال أو نص ريال، وكانت تفرحهم واجد، النساء يطبخن العرسيّة والحلوى العمانية، والرجال يذبحوا العيدية (الخروف أو الماعز) ويوزعوها على الجيران.”
ويؤكد العم سعيد أن أحد أبرز مظاهر العيد قديمًا كانت “الهبطة” التي تُقام قبل العيد بيومين، حيث يتجمع الناس في السوق لشراء المستلزمات، وسط أجواء تراثية تشمل الرزفة، والعازي، والعروض التقليدية.
العيد في العصر الحديث: تطور وتواصل رقمي
أما حفيده خالد (23 عامًا)، فيرى أن العيد لا يزال يحتفظ بروحه، لكن تغيرت أدوات الاحتفال، فيقول:
“اليوم نشتري الملابس جاهزة من المولات، والهدايا تصير غالبًا حوالات بنكية أو تحويلات إلكترونية، والزيارات ما صارت مثل قبل، أحيانًا تقتصر على الاتصال بالفيديو، خصوصًا للناس اللي بعيدين.”
ويضيف:“بس بعدنا نحافظ على صلاة العيد وزيارة الأهل القريبين، ونشارك في توزيع لحوم الأضاحي، حتى الحلوى العمانية بعدها موجودة، بس نطلبها من المحلات بدل ما ننطبخها في البيت.”
ذكريات الزمن الجميل
يبدأ الحاج سالم البهلاني (82 عامًا) حديثه قائلاً:
“العيد في زماننا كان له طعم مختلف، كنا نحس بقدومه من الهبطة، من الزينة اللي يسويها الأطفال في البيوت، من صوت التكبيرات في المساجد، كنا نشتغل على تجهيز العيد بأنفسنا، ما كانت في أسواق تجارية مثل اليوم، كل شيء نعمله بإيدينا.”
ويضيف:
“الرجال يروحوا لصلاة العيد جماعة في مصلى العيد المفتوح، وبعدها نزور الأهل بيت بيت، ما كان في تليفونات ولا رسائل، كان التواصل وجهاً لوجه، وهذا اللي يخلي للعيد معنى.”
أما عن أكلات العيد، فيذكر الحاج سالم:
“العيد ما يكمل إلا بـ”العرسيّة” و”الثريد” و”الحلوى العمانية”، والنساء كانّ يجهزنها من أيام وكانت رائحة اللبان والمعمول تملأ البيوت.”
العيد في زمن التكنولوجيا
ابنه مازن (31 عامًا) يشاركنا وجهة نظره قائلاً:
“العيد اليوم صار أسهل من ناحية التجهيز، الملابس نشتريها جاهزة، وذبيحة العيد ممكن نطلبها بتطبيق من الموبايل، الزيارات صارت أقل، وأحيانًا نكتفي برسائل الواتساب.
الحاج حمد الحسيني (85 عامًا):
“من أول ما نشوف الهلال نبدأ نحضر للعيد، كنا نحلق أولادنا في البيت، ونغسل ثياب العيد وننشرها على الأسطح، وكانت فرحة لبس الجديد لا توصف، ما كان عندنا كهرباء، بس كانت البهجة في قلوبنا.”
“في يوم العيد، بعد الصلاة، كل أهل الحارة يزوروا بعضهم، ما في فرق بين غني وفقير واللحم يتوزع على الجميع، العيدية كانت نص ريال، لكن كنا نفرح فيها أكثر من مئة ريال اليوم.”
حفيده سالم (22 عاماً) يشاركنا ويتحدث: صلة الرحم قائمة الى يومنا هذا، لكنها أصبحت أقل تكرارًا، وتقتصر أحيانًا على الأقارب القريبين، اللقاءات الكبيرة أصبحت نادرة في بعض المناطق، خاصة بين الأجيال الشابة التي تعتمد على التواصل الرقمي.
العم خلفان المنذري ( 74 عامًا):
“الهبطة قبل العيد كانت مثل مهرجان شعبي، الناس تجتمع، وتشتري، ويتبادلوا الأخبار، وكانت الفرقة الشعبية تعزف، والرزفة حاضرة، الآن كثير من الشباب ما يعرفوا معنى الهبطة الحقيقي.
ما بين الأصالة والمعاصرة
رغم الاختلاف في مظاهر الاحتفال، يجمع الجيلان على أن العيد يظل مناسبة روحية واجتماعية عظيمة، فالعم سعيد يختتم الحوار بقوله:“العيد علمنا الحب، الكرم، وصلة الرحم، التكنولوجيا زينة، بس الأهم ما ننسى قيمنا ولا نخلي العيد يمر كأنه يوم عادي.”
ابنه معاذ (25 عامًا) يشاركنا وجهة نظره قائلاً:
التهاني الآن تُرسل عبر تطبيقات مثل واتساب وإنستغرام، والمكالمات بالفيديو باتت بديلاً عن الزيارات المباشرة، خاصة مع الأقارب البعيدين أو في المدن الأخرى، مشاركة مظاهر العيد عبر الصور والفيديو في وسائل التواصل أصبحت عادة شائعة.
ختاماً
العيد في سلطنة عمان ليس فقط ثوبًا جديدًا أو مائدة عامرة، بل هو شعور بالامتنان، ومناسبة لتجديد الصلات وتعزيز اللحمة الاجتماعية، وبين جيل الطيبين وجيل اليوم، يبقى العيد رابطًا أصيلاً يربط الماضي بالحاضر، في أرض تحترم تراثها وتتطلع إلى مستقبلها بثقة.



























