الصحوة – وائل الوائلي
حين تتحوّل دمية بملامح عشوائية إلى ظاهرة عالمية، ويبدأ الناس بمطاردتها من رفوف المتاجر إلى مزادات الإنترنت، فاعلم أن العقل قد ترجل، وأن القطيع سبقنا إلى الشراء. “لابوبو” الدمية ذات الابتسامة البلهاء، تُعرض اليوم بأكثر من ألف دولار (نحو ٣٨٥ ريالًا عمانيًا)، ويُقبل عليها الكبار قبل الصغار، لا لندرتها الحقيقية، بل لفرط الهوس الجماعي بها.
لا أحد يتساءل: ما الذي نقتنيه فعلًا؟ بل الجميع يمضي في الركض، كما لو أن “لابوبو” باتت تذكرة دخول للمشاركة في “الترند”… “الخيل مشت… ويا شقرا، امشي”.
“اللا-اختيار”..
تُباع لابوبو في صناديق مغلقة لا يعلم المشتري ما بداخلها حتى يفتحها – ما يُعرف بصناديق “Blind Box” – مما يضخّ جرعة عالية من التشويق والرهان العاطفي، فتُصبح التجربة نفسها أهم من المنتج. وهنا تمامًا تتجلى عقلية القطيع: عندما نشتري لا لأننا بحاجة، ولا لأننا نحب، بل لأن “الجميع يفعل ذلك”، ولأن التخلّف عن الركب يوحي لنا، ولو وهمًا، بأننا “خارج الزمن”.
فقاعات..
لابوبو ليست أول فقاعة تنفخها عقلية القطيع، ولن تكون الأخيرة؛ تذكّروا 2017، حين اشترى الملايين عملة “دوج كوين” فقط لأن تغريدةً قالت إنها ستصبح ذهب المستقبل. وتذكّروا 2021، حين اصطف الناس لساعات في طوابير متاجر أحذية حصرية، لا ليقيسوها، بل ليقولوا: “كنا هناك”. في كل مرة، تتكرر المعضلة: الجمهور لا يفكر… بل يتبع.
إنه الأمان الزائف في الزحام، حين يُشعرك الجمع بأنك على حق، حتى لو كنت تركض خلف سراب.
ومنصات التواصل لم تعد مجرد واجهات ترويجية، بل مختبرات لصناعة الهوس. يكفي أن تحمل لابوبو على حقيبة مؤثرة مشهورة، أو تظهر في فيديو مؤثر، لتتحول في نظر الآلاف من مجرد لعبة إلى “رمز هوية” أو “شيفرة انتماء”. لم نعد نشتري الأشياء… بل نشتري مكانًا في الحكاية الجماعية. أو لنقلها بوضوح: نشتري حقّ الدخول في هوس جماعي مُجمّل بفلتر رقمي.
هل نحارب لابوبو؟..
المشكلة لم تكن يومًا في “دمية”، بل في كيف نفكر، في أننا أصبحنا نتبنى الرغبة لمجرد أن غيرنا رغب، ونتبع السلوك لمجرد أن القطيع تبناه، وهذا السلوك الاستهلاكي غير الصحي لا يفرغ الجيوب فحسب، بل يفرغ الوعي ويهمّش القرار الفردي.
فلنسأل أنفسنا بصدق: هل ما نقتنيه يُعبّر عن ذوقنا؟ أم هو مجرد صدى لما يُريده الآخرون؟ لا عيب في اقتناء دمية أو منتج، لكن الخطر الحقيقي هو أن نشتري “بلا سبب سوى أن الكل يفعل ذلك”.
بين القوسين الأخيرين..
(لابوبو ليست مجرد دمية، بل مرآة تعكس هشاشة القرار الجماعي في عصر “السوشيال ميديا”، حيث تغيب الأسئلة وتحضر الرغبات. وبينما نندفع وراء “الترند” اليوم، ربما نحتاج إلى ترند جديد… اسمه التفكير).





























