الصحوة – سيف بن حمد الجرادي
ليس من يحتفل هو من يلبس الجديد، بل من يجعل الوطن في كل لحظة بأمان إليكم ننحني شكرًا أيها الابطال.
نفتح بابًا من أبواب الامتنان لأولئك الذين لم يُشاركوا أسرهم إعداد مائدة العيد، ولم يُصافحوا أبناءهم مع أولى لحظات صباحه، لأنهم آثروا البقاء في مواقعهم، يمارسون أدوارًا قد لا نراها، لكننا نعيش أثرها، في لحظة تنشغل فيه العائلات بالتجمعات، وتلتم على مائدة العرسية والمشوا وتكتظ الساحات بأفراح الناس، كان هناك من يؤمن أن واجب الخدمة هو العيد الحقيقي، وأن الوطن لا ينبغي أن يُترك في أيام الفرح، فلبّوا نداء الواجب، لأن تبقى البلاد آمنة، مستقرة، منتظمة في أنفاسها، الجميع مبتسما ضاحكا على ارض لا تنبت الا طيبا.
التضحية لا تصنع ضجيجًا، بل أثرها يبقى أكثر حضورًا في وجدان المجتمع، لم يكونوا في الصور العائلية، ولا في رسائل العيد المتداولة، لكنهم السبب في أن هذه اللحظات مرّت بسلام، فحين تتنقل العائلات بمسافات طويلة في ربوع الوطن دون قلق، وتُقام صلوات العيد في أجواء هادئة، وتعمل مرافق الدولة الحيوية بلا انقطاع، فإن ذلك ليس صدفة، ولكن نتاج عن وعي، وانضباط، وعن أناس يرون أن العطاء لا يحتاج إلى جمهور يصفق، بل إلى ضمير حيّ لا يتوانى، إن ما يُقدّم في صمتٍ ونُبل، يستحق أن يُخلَّد في ذاكرة الوطن كتعبير صادق عن الإخلاص.
ما يميّزهم حقًا ليس فقط التزامهم، بل روحهم التي تمضي في أداء الواجب بشرف لا يُقاس بساعات العمل، بل بقيمة الأثر، وأن تقف في نقطة حراسة ليلية، أو في تناوب طبي، أو وسط حقل في الصحراء، أو لخدمة البنية التحتية الوطنية او خلف كامرات التلفزة او الإذاعة … في وقتٍ يتجه فيه الجميع إلى المجالس والصالات العائلية، لا يعني أنك تغيب عن الوطن، بل أنك تحضر فيه من زاوية أعمق، هي مواقف تُجسّد المعنى الحقيقي للانتماء، وتُظهر أن من يحمي ليس فقط من يملك السلاح، بل من يملك الإيمان بأن الوطن برجاله ونسائّه في وقت الحاجة، هؤلاء يعلّموننا أن الوطنية ليست شعارًا، بل سلوكٌ يبرز في لحظات التحدي، وأن الولاء الحقيقي لا يُقاس بتصريحات متلفزة، ولا بابتسامات مصطنعة، ولا بمديح واهم، ولا ببياض الملابس أو لمعان الخناجر، بل يُقاس بمدى الاستعداد للتضحية حين يختار الآخرون الراحة… هناك حيث تُصنع الوطنية لا حيث تُعرض.
مع هذا العطاء، لا يكفي أن نُبقي الشكر في حدود العبارات العابرة، بل حان الوقت لنعيد تعريف ثقافة الامتنان من كونها ردّ فعل عاطفي إلى سلوك مؤسسي متأصل، يمكننا أن نكرّمهم عبر مبادرات تربوية تزرع قداوتهم في أذهان الأطفال، وحملات إعلامية تُسلط الضوء على نماذجهم في الأعياد، و تحفيزات رمزية تمنحهم الإحساس بأن المجتمع يراهم ويثمّنهم، وفي قلب هذه الثقافة الممتنّة، تبرز مفارقة بصرية تستحق التأمل، تحمل دلالات رمزية عميقة بين من يتوشّح الفخر، ومن يصنعه بالفعل، وإن من أجمل المفارقات التي تستحق التأمل، أننا نلبس الخناجر ونحمل البنادق في الأعياد افتخارًا ورمزًا للتراث، بينما هناك من يحمل البندقية فعلاً، لا ليتفاخر، بل ليحرس وليؤمن، نختار زينتنا في طقسٍ معتدل لا يتجاوز 15 درجة في قاعات الاحتفال، بينما هو يختار موقعه تحت شمسٍ تجاوزت حرارتها 60 درجة، ويبتسم، نحن نتوشح الفخر، وهو يصنعه، تلك ليست مقارنة بين حالين، بل تذكيرٌ عميق بأنّ ما نرتديه رمزيًا، هناك من يُجسده واقعيًا، فإن كانت الخناجر في أعيادنا زينة تراثية، فهناك من جعل حمل السلاح عبادة وطنية يشبه الذهب… لا يصدر صوتًا، لكنه لا يصدأ أبدًا.
الامتنان الحقّ لا يقتصر على اللحظة، بل يستمر بالتقدير الذي يتحول إلى عرفٍ وطني، فهؤلاء لا يحتاجون إلى مجدٍ شخصي، لكن الوطن بحاجة لأن يعتاد الاحتفاء بمن جعله متماسكًا في كل الاوقات، لذا نقول ليس من يحتفل هو من يلبس الجديد، بل من يجعل الوطن في كل لحظة بأمان.




























