الصحوة – علي الحداد
في مشهد إقليمي يتسارع نحو الحافة، حيث تتبادل إيران وإسرائيل الضربات العسكرية، وتتساقط مفاهيم الردع كما تتساقط القذائف، تبرز سلطنة عُمان بهدوئها المعروف، محاولة أن تُبقي باب الحوار مواربًا، ولو وسط الدخان. ليست هذه المرة الأولى التي تجد فيها مسقط نفسها في قلب نيران الجغرافيا، لكنها – كعادتها – لا تصرخ ولا تصطف، بل تتحرك بثبات في مساحات الصمت التي يهرب منها الآخرون، لتمنع الانهيار الكامل للغة السياسة.
ففي لحظة تتطلب أكثر من الشعارات والتحالفات، تبدو دبلوماسية الهدوء التي يقودها معالي السيد بدر البوسعيدي خيارًا نادرًا، وربما ضروريًا، لإعادة التوازن إلى طاولة أوشكت أن تُقلب. فهل تنجح عُمان في كبح جماح التصعيد، أم أن صوت العقل سيضيع مجددًا وسط قرقعة السلاح؟
في خضمّ أحد أخطر التصعيدات العسكرية التي يشهدها الشرق الأوسط في العقود الأخيرة، اندلعت مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران تنذر بانزلاق الإقليم بأسره نحو أتون مواجهة مفتوحة. فمنذ أن بدأت إسرائيل بشنّ غارات جوية دقيقة استهدفت منشآت نووية وعسكرية داخل الأراضي الإيرانية، وردّت طهران بوابل من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي طالت العمق الإسرائيلي، خرج الصراع من عباءة الظلال والمخابرات، ودخل زمن النار العلني، وسط قلق دولي عميق من سقوط ما تبقى من منظومة الردع في المنطقة.
في هذا المشهد القاتم، تعود سلطنة عُمان لتنهض بدورها التاريخي، كصوت عاقل وسط الضجيج، وكجسر عبور حين تُهدم الجسور. وهو ليس دورًا طارئًا ولا وليد ظرف، بل امتدادٌ لتقاليد سياسية نسجتها المدرسة البوسعيدية منذ ما يزيد على قرنين، حين اختار الأئمة والسلاطين آنذاك أن يكونوا بناة توازن لا صُنّاع تحالفات عمياء، وسعاة صلح لا أرباب مواجهات.
تميّزت السياسة العُمانية عبر التاريخ، منذ نشأة الدولة البوسعيدية في القرن الثامن عشر، بالحكمة والانفتاح، وهي صفات أفرزتها الجغرافيا والتجربة. من مسقط إلى زنجبار، ومن الخليج إلى شرق إفريقيا، عرفت عُمان كيف تدير خلافاتها بلغة العقل، وتحسمها دون أن تقطع شعرة معاوية. واليوم، يتجدد هذا الإرث الدبلوماسي على يد معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، الذي لا يُجيد التصعيد، بل يُتقن فن التهدئة، ويفهم أن الكلمة الهادئة في زمن الفوضى أثمن من صاروخ عابر للقارات.
فمع اشتداد الضربات المتبادلة بين طهران وتل أبيب، أعلن معالي الوزير، بكل وضوح ومسؤولية، إلغاء الجولة السادسة من المفاوضات النووية التي كانت مقررة في مسقط. لم يكن ذلك تراجعًا عن الوساطة، بل موقفًا واعيًا مفاده أن الحوار لا يُبنى فوق الرماد، وأن طاولة التفاوض تحتاج إلى أرضية من التعقل والهدوء، لا إلى دخان المعارك وطبول الحرب.
تحرّكات معالي السيد بدر لم تظل أسيرة التصريحات، بل ترجمت إلى دبلوماسية نشطة واتصالات مكثفة مع وزراء خارجية الخليج، وأوروبا، والولايات المتحدة. وتمحورت جهوده حول ضرورة كبح الانفجار، وخلق ممرات سياسية للحوار تستند إلى مبادئ القانون الدولي، لا إلى منطق القصف والردع.
ورغم العواصف، حافظت سلطنة عُمان على وقوفها في المنتصف، في موقف شبيه بما كانت تمارسه خلال فترات التنافس العثماني–الصفوي أو لاحقًا في حقبة الحرب الباردة الخليجية. لم تكن طرفًا تابعًا، بل ساحة اتصال محترمة، تسمع وتُنصت، وتُقارب دون أن تنحاز.
لكن هذا الدور، رغم قوته الرمزية، لا يخلو من التحديات. فهناك من يضغط باتجاه عسكرة الردود، وهناك من يرى أن الحياد النشط لعُمان قد لا يتناسب مع سرعة الأحداث وحرارة الجبهات. وتبقى الدبلوماسية العُمانية مطالبة بالحذر، كي لا يُساء فهم انفتاحها على طهران، أو يُستغل حيادها كذريعة للتهرب من مسؤولياتها. ولعل من أكبر نقاط القوة العُمانية، إدراكها أن الوسيط ليس محايدًا سلبيًا، بل فاعلٌ بصبر، يبني حين يهدم الآخرون.
أما في الداخل، فإن المواطن العُماني، بوعيه وهدوئه، يرى في هذا الخط المتّزن امتدادًا لطابع الشخصية العُمانية المتجذّرة في الحكمة والنأي عن العنف. من مسندم إلى ظفار، يُنظر إلى هذا الدور كإرث وطني، وكأن الدبلوماسية العُمانية مرآة لروح الإنسان العُماني: لا يحب التسرّع، ولا يرفع الصوت إلا حين تُهدد كرامته.
وبينما ينخرط العالم في سباق على النفوذ والنيران، يواصل بدر البوسعيدي العمل بصمت، محاطًا بإرث من الحكمة السياسية التي عاشتها بلاده منذ أيام جده الإمام أحمد بن سعيد، مؤسس الدولة البوسعيدية العمانية، والذي آمن بأن السلام ليس ضعفًا، بل قمة القوة. فكما لم تكن عُمان يومًا ساحة للوصاية، لن تكون اليوم ساحة للدمار.
في محيطٍ تملؤه الضجة وتغيب فيه البصيرة، تبدو سلطنة عُمان كأنها آخر من يتحدث بهدوء، لكنه الهدوء الذي تُصغي إليه العواصم حين تخفت أصوات الحرب. فالدبلوماسية ليست من الكماليات السياسية، بل خط الدفاع الأخير لعقلٍ يحاول أن يمنع المنطقة من السقوط في هاوية لا عودة منها. وإن كانت الحروب تُخاض بالسلاح، فإن السلام لا يولد إلا بالكلمة. وعُمان، بحكمتها التاريخية وصبرها السياسي، تصرّ على أن تبقى شاهدة على هذه الكلمة، لا لأنها تسعى إلى الظهور، بل لأنها تؤمن أن إنقاذ المستقبل يبدأ من إيمانٍ صادق بأن الحوار، لا الصدام، هو الطريق الوحيد المتبقي .



























