الصحوة – علي الحداد
أثار تصريح المحلل السياسي العُماني علي مسعود المعشني موجة من الجدل، بعد أن قال في أحد تحليلاته إن “بإمكان إيران، بقرار من تحت الطاولة مع الأمريكان، احتلال الكعبة”.
التصريح، الذي جاء ضمن قراءة للمشهد الجيوسياسي في المنطقة، اعتُبر من قبل كثيرين تجاوزًا على مكانة دينية مقدسة، وتهديدًا ضمنيًا لأمن الحرمين الشريفين.
لكن، هل ما قاله المعشني كان تحريضًا أم تحذيرًا؟ وهل يمكن قراءته في ضوء المجاز السياسي لا التهديد الواقعي؟ هذه القراءة تحاول وضع التصريح في سياقه التحليلي الأوسع، بعيدًا عن الانفعالات، ومن باب الفهم لا التبرير.
كثيرًا ما تُساء قراءة التصريحات السياسية حين تُنتزع من سياقها. والمعشني، المعروف بطروحاته الاستباقية وأسلوبه الصادم أحيانًا، لا يُصنَّف من المحرّضين أو المتربصين، بقدر ما هو صاحب تحليلات صريحة تسعى لإثارة الانتباه إلى السيناريوهات المحتملة. وعليه، فإن فهم تصريحه حول التفاهم الأمريكي الإيراني والسيطرة على مكة، لا ينبغي أن يُقرأ كرغبة أو توقع، بل كتحذير من انهيار محتمل في التوازن الإقليمي، إذا استمر الضعف والتفكك العربي.
إذا اعتُبرت عبارة “السيطرة على مكة” تعبيرًا مجازيًا، فهي تُحذّر من امتلاك قوى إقليمية لنفوذ متزايد، قد يصل إلى تهديد الرموز الإسلامية، إذا لم يتم تحصين الجبهة الإسلامية داخليًا وتحقيق توازن استراتيجي على الأرض. وفي هذا السياق، يصبح التحذير قاسيًا نعم، لكنه وقائي، يهدف إلى دق ناقوس الخطر، لا إلى تقويض الثقة.
يمكن النظر إلى خطاب المعشني باعتباره نداءً موجَّهًا إلى القيادة السعودية ودول الخليج لتحصين دورهم الروحي والسياسي، من خلال بناء تحالفات استراتيجية متينة، وترسيخ الحضور العربي في ملفات الإقليم، وتعزيز الحصانة الرمزية والسياسية للحرمين الشريفين. وبهذا الفهم، يتحوّل التصريح من تهديد إلى تنبيه، ومن استفزاز إلى تحفيز. وهنا تبرز رسالة ضمنية: “لا تثقوا كثيرًا في الولايات المتحدة؛ فهي ليست حليفًا مضمونًا، بل لاعب يُقدّم مصالحه أولًا، ولو على حساب أصدقائه”. فالتحذير لا يُوجَّه إلى إيران فحسب، بل إلى الداخل الخليجي والعربي، لتنبيه صُنّاع القرار بأن الحماية الحقيقية لا تأتي من الخارج فقط، بل من الذات والتماسك والتحالفات الواقعية.
رغم كل ما سبق، فإن زجّ اسم “مكة المكرمة” في سياق حديث عن “السيطرة” يبقى مؤلمًا دينيًا ونفسيًا، حتى وإن كان القصد منه خلاف الظاهر. فالمقدسات الإسلامية ليست رموزًا سياسية قابلة للتفاوض أو التحليل المجازي، بل كيان روحي لا يُمس. وهنا، لا تقع المسؤولية على النوايا وحدها، بل على حِرفة الخطاب، التي تتطلب توازنًا شديد الحساسية عند مخاطبة جمهور واسع يعيش على وقع الرموز. وقد تم اقتطاع العبارة من سياقها، إذ جاء فيها حديث مستلهم من احتلال القدس والاعتراف الأمريكي بها، وليس تحريضًا أو نية للعدوان.
إن الخطاب التحذيري، حين يُصاغ بلغة مسؤولة، يمكن أن يكون أداة تعبئة ووعي، لا أداة تشكيك أو إرباك. والمطلوب اليوم هو التفكير الجاد في تأمين المقدسات بالتحصين الجيوسياسي لا بالشعارات، وبناء خطاب ناضج يفرّق بين النقد والتقويض، وإشراك الرأي العام في الحوار دون المساس بثوابته الروحية.
إن سوء التعبير، خاصة حين يلامس المقدس، لا يمكن التهاون معه. لكنه أيضًا لا يُلغى تمامًا حسن النية، ولا يُصادر مقصد صاحبه دون فهم للسياق. تصريح المعشني، رغم قسوته، يفتح الباب لحوار أعمق حول طبيعة التوازنات الإقليمية، وأهمية صيانة الرمز الديني دون أن نُقصي الفكر أو نُجرّم التحليل. فما نحتاجه اليوم ليس قمع الرأي، بل صقله، ولا إسكات التحذير، بل ترشيده. فبهذا وحده نُحصّن الداخل ونحفظ الثوابت، دون أن نغلق الباب أمام الأسئلة الصعبة.
وفي الختام .. هذا المقال لا يهدف إلى تبرير التصريحات محل الجدل، ولا إلى تبنّي مضمونها، بل إلى تقديم قراءة تحليلية هادئة في سياقها السياسي والإعلامي. الغاية منه فهم الدلالات وراء الخطاب، لا تمريرها، وتفسير المعنى المتوخّى، لا المصادقة على الأسلوب المستخدم. فبين التعبير الصادم والمقصد الحقيقي مسافة تحتاج إلى تفكيك، وهذا ما حاول المقال تقديمه للقارئ بعقل بارد، وبنَفَس نقدي لا يُقصي أحدًا .




























