الصحوة : علي الحداد
حين تُصبح الدبلوماسية ميدانًا للصراع بدل أن تكون مساحة للتفاهم، وتغدو العلاقات الدولية ساحة لتصفية الحسابات لا لبناء الجسور، تبرز نماذج نادرة تُعيد تعريف السياسة بوصفها مسؤولية أخلاقية، لا مجرد أدوات ضغط.
من بين هذه النماذج يطل معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير خارجية سلطنة عمان، برؤية هادئة، متزنة، تنطلق من ثوابت السيادة العمانية، وتتمسك بمبدأ أن الاحترام لا يُفرض بالقوة، بل يُنتزع بالمصداقية.
مؤخرًا، نال معاليه وسام الشرف من فخامة رئيس جمهورية بلغاريا، في حفل رسمي أقيم بالعاصمة صوفيا. لم يكن ذلك وسامًا على صدر وزير ، بقدر ما كان إقرارًا بأهمية النهج الذي مثّله طوال سنوات: نهج لا يرفع الشعارات، بل يصوغ المواقف ويترك أثره في صمت، لا يحتاج إلى كاميرات ليُثبت حضوره.
معالي السيد بدر البوسعيدي لا يقدّم السياسة بوصفها مسؤولية ، بل كمنهج حياة مؤسس على وضوح الرؤية وثبات المبدأ. لا يتعامل مع الملفات الخارجية بوصفها معارك نفوذ، بل باعتبارها فرصًا لإعادة التوازن، ومجالات لصناعة مساحة مشتركة تحفظ مصالح الجميع دون تنازل عن الثوابت. هذه المقاربة التي تبدو بسيطة في ظاهرها، تتطلب في الواقع شجاعة سياسية عالية ووعيًا عميقًا بمكانة الدولة وسط شبكة العلاقات المتشابكة.
من الملف النووي الإيراني، إلى مفاوضات اليمن، إلى محطات الوساطة الصامتة، كان حضور عمان حاضرًا، لا عبر التصريحات المتلفزة، بل من خلال الفعل الهادئ والدقيق. البوسعيدي لا يُقحم نفسه في الصدارة، لكنه يصوغ خلفها ما يجعل الصدارة ممكنة للسلام. لقد باتت سلطنة عمان، عبر هذه المدرسة البوسعيدية السياسية، مرجعًا في فن إدارة التوازنات، لا التورط في الاستقطابات.
أما فلسطين، فهي في فكر معالي السيد ليست ملفًا دبلوماسيًا، بل مبدأ لا يخضع للتعديل. لم يكن موقفه من التطبيع مسألة مسايرة ولا عناد، بل تعبيرًا عن فهم عميق لطبيعة الصراع، وشروط العدالة، وحدود التنازل. إنه يرى أن أي حل لا يفضي إلى دولة فلسطينية مستقلة، بعاصمتها القدس الشرقية، هو مجرّد تأجيل للأزمة لا تسوية لها.
السيادة بالنسبة إليه ليست مفردة تقليدية في الخطاب السياسي، بل هي حجر الأساس الذي يُبنى عليه كل قرار. ولهذا، لم يُسجَّل على عمان في عهده خروج عن ثوابتها، ولا دخول في محاور مرتهنة. وظل صوتها، من الخليج إلى العالم، صوتًا متزنًا، يعرف متى يصمت، ومتى يتحدث، ومتى يكتفي بالحضور الذي يصنع الفارق دون أن يطلب التصفيق.
حين تمنح بلغاريا، وهي دولة أوروبية عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، أحد أرفع أوسمتها لوزير خارجية عربي، فإنها لا تمنح الوسام لصفته، بل لخطّه السياسي. لهذا الوسام رمزية تتجاوز الاحتفاء، لأنه يحمل دلالة على احترام العالم لنمط مختلف من الفعل السياسي، يقدّم التوازن على التوتر، والكياسة على الاندفاع.
معالي بدر البوسعيدي لا يطلب لنفسه بطولة، بل ينسج في صمت خيوط حضور مؤثر. لم يطرق أبواب الإعلام، لكنه استطاع أن يفتح أبوابًا مغلقة بين دول وملفات، عبر أسلوب يكتفي أن يكون فاعلًا دون ضجيج. وفي عالم تُشترى فيه المواقف وتُستثمر فيه الانفعالات، اختار أن يكون وجه عمان المتزن، كما كانت دومًا، ومثالًا على أن السياسة حين تُمارس بثقة ومسؤولية، تفرض حضورها حتى دون أن ترفع صوتها .



























