الصحوة – علي الحداد
يا أهلنا في اليمن،
يا من حملتم المجد والعزة على جباهكم منذ فجر التاريخ،
يا من خطّت أقلامكم حضارة، وسارت بأقدامكم قوافل العلم والتجارة والدين عبر العصور .
أكتب إليكم من بعيد، لكن القلب بينكم، نابضٌ بكم، متألمٌ لأجلكم، متضرعٌ إلى الله أن يرفع عنكم البلاء، وأن يعيد لليمن وجهه الحقيقي: وجه الحكمة والإيمان.
لقد تابعنا، نحن إخوانكم في الخليج، سنوات الحرب التي أثقلت كاهلكم، وأرهقت أرضكم، وشرّدت أطفالكم، وأضاعت أعمارًا كنتم تستحقون أن تقضوها في البناء لا في الحزن، في التعليم والتقدم لا في الركام والمعاناة.
لكن، ما يُقلقني اليوم، ليس فقط ما رأيناه من دمار، بل ما بدأنا نراه من تمزق في النفوس، ومن خطاب طائفي مذهبي يُنذر بشرّ مستطير، لا يفرّق بين طفل وشيخ، ولا بين امرأة أو رجل.
يا أبناء اليمن:
إياكم والنار التي تحرقكم وأنتم تظنون أنكم تشعلونها لخصمكم.
أسمع بعض الأصوات من هنا وهناك، تصف خصومها بأنهم “مجوس”، و”روافض”، و”أعداء للإسلام”. وأخرى ترد بوصف المختلف بأنه “صهيـ يوني”، و”ماسوني”، و”عميل”، و”إخواني”، و”وهابي”.
يا إخوتي،
هل نسيتم أنكم كنتم يومًا على طاولة واحدة، تتزاورون، وتزوجون من بعض، وتؤدون الصلاة جنبًا إلى جنب؟
هل نسيتم أن بين الزيدي والشافعي من الودّ والجيرة والمصاهرة ما لا تستطيع أن تفرّقه حتى الجبال؟
إن التجييش المذهبي لا يصنع وطنًا، بل يهدم ما تبقى منه.
وقد رأينا ما حدث في العراق، وسوريا، ولبنان. النار بدأت بخطاب، ثم صارت محرقة لا تميّز أحدًا.
من يغذي هذا الخطاب؟ ومن يستفيد؟
صدقوني، هناك من يدفع لهذا الخطاب عن وعيٍ وتخطيط.
هناك من يعرف أن اليمن إذا اشتعلت طائفيًا، فلن تنطفئ لعقود.
هناك من يريد تحويل خلاف سياسي إلى صراع ديني مذهبي لا يُبقي ولا يذر.
وللأسف، هناك من وقع في الفخ دون أن يدري.
لا أقول هذا دفاعًا عن طرف دون آخر. لا أنتمي لأي فئة سياسية في اليمن، ولا أتدخل في شؤونكم الداخلية. لكنني أخٌ لكم، يرى الكارثة تقترب، ويرفض أن يصمت.
رسالتي لكم: الرهان على العقلاء
لا تراهنوا على الغاضبين والمتعصبين، فهم أول من يهرب حين تشتعل الحرب.
راهنوا على العقلاء من كل الأطراف.
على الحكماء في صعدة، كما في عدن، كما في تعز، كما في مأرب والحديدة وصنعاء.
رهانكم الحقيقي على من يعرف أن الوطن يتسع للجميع، وأن التنوّع ليس لعنة، بل نعمة.
لقد سادت في اليمن عبر قرون طويلة نظرية التعايش، فلماذا نرميها اليوم؟!
في سلطنة عُمان، ونحن نتابع اليمن بقلق ووجع، لا نتمنى لكم إلا الخير.
نعرف أن طريق السلام طويل، لكنه يبدأ بكلمة، بموقف، برفض للفتنة، وبوقفة ضمير.
ختامًا…
أيها اليمنيون الأحرار،
لا تتركوا بلدكم فريسة للكراهية.
لا تسمحوا للتاريخ أن يكتب أنكم انجررتم إلى ما دُمّر به غيركم.
أنا لا أكتب هذا المقال كي أُرضي طرفًا دون آخر.
بل أكتبه وأنا مؤمن أن فيكم من سيقرأ هذه الكلمات بعين القلب لا بعين الخصومة.
وأن في كل قبيلة ومدينة وعشيرة ملايين اليمنيين الذين لا يزالون متمسكين بالعقل والحكمة.
ولتكن كلماتكم سلاحًا في وجه التحريض،
ولتكن وحدتكم طريق الخلاص.
والسلام على اليمن، أرضًا وشعبًا وتاريخًا ومستقبلًا .





























