الصحوة : علي الحداد
في الشمال البعيد من عُمان، حيث تتعانق الجبال بكتفي البحر، وتتناثر الجزر كعقود لؤلؤية على صدر المضيق، تنبض محافظة مسندم بسحرٍ لا يُشبهه مكان. هي القصيدة التي كتبها الزمن على صفحات الماء والصخر، والأنشودة التي يتغنّى بها الموج مع كل شروق.
ولايات مسندم: عبق في تضاريس متفرّدة
تمتدُّ مسندم بأذرعتها الأربعة، ككفٍّ تحنو على المضيق:
•خصب، عاصمة الجمال، حيث يحتضن الميناء قلب المدينة، وتطل البيوت على البحر كأنها تراقصه.
•دبا، عروس الساحل، حيث ترسو المراكب كما ترسو الأحلام، وتزدهر الزراعة وتنبض الحِرَف بعرق الجدود.
•بخاء، مدينة الحكايات، ذات التراث العميق، والحصون التي تروي صمت القرون.
•مدحاء، جوهرة الداخل، حيث تتفتح الوديان بين الجبال، وتخبئ الصخور نقوشًا تروي روايات ما قبل التاريخ.
هنا، تتوزّع الأخوار كأنها أنامل من ماء تحاول الإمساك بالجبل خور نجد، خور شم وتنتشر الجزر البحرية كأنها نجوم هوت من السماء إلى حضن الخليج.
تاريخ تكتبه الصخور ويحرسه البحر
منذ آلاف السنين، حين كانت جبال جبل حارم تحت أعماق المحيط، تركت الأسماك والأصداف بصمتها، نقشًا جيولوجيًا يُخبر عن حقبٍ غابرة.
وفي القرن السابع عشر، حين أبحرت السفن البرتغالية تطارد الشمس، رست على سواحل مسندم، وبنت الحصون على الشواطئ، فنهض حصن خصب وحصن بخاء كحراس البحر، شاهديْن على أطماع التاريخ ومجد الأرض.
ومع مرور الزمن، ظل مضيق هرمز شريان النفط العالمي ينبض بأهمية لا تزول، شاهداً على عبور السفن كما كان شاهداً على عبور الحضارات.
معالم تحرسها الريح وتنشدها الذكريات
•حصن خصب: لا يُروى تاريخه بالمدافع فقط، بل بالمشغولات اليدوية، بأثواب الأجداد، وبالحنين المعروض على جدرانه.
•حصن دبا السيبة ومقبرة أمير الجيش: حيث تهمس الرمال بأسرار الفرسان والقبائل.
•مخازن الجهل في مدحاء، مستودعات ذاكرة ما قبل الإسلام، تنقش على جدرانها الصمت العميق.
•النقوش الصخرية، كتب حجرية تحفظ حروف حضارة سبقت الكلام.
الطبيعة: حين تُصبح الجغرافيا قصيدة
في جبل حارم، ترى العالم من علوٍّ يفوق 2000 متر، كأنك تمشي على ظهر السحاب، وحولك صخور مطرّزة بأحافير الزمن القديم.
في خور نجد، يمتد البحر كمرآة تتكسر عليها ملامح الجبال، وتُبحر الزوارق كأنها تلامس أطراف الحلم. أما خور شم، فهو المرفأ الذي يحتفل كل يوم بمهرجان الدلافين الراقصة.
وفي جزيرة التلغراف، يسمع الزائر صدى الرسائل القديمة التي ربطت بين الهند وبريطانيا، وفي أم الطير وأم الغنم، يغني البحر لحكايات الطيور والعشاق والبحارة.
التراث الشعبي: أغانٍ تُغنّى على إيقاع الأصيل
الرماسية، ليست مجرد رقصة؛ بل هي نشيد القبيلة، وسيفٌ يتمايل في يد الشيوخ كما يتمايل في يد الشبان.
الرواح، فنٌّ يُحاكي الصدى بين الجبال، يُقال فيه الشعر وتُقال فيه الحكايا.
أما في ورش دبا، فإن صناعة السفن لا تزال تنبض بالحياة، حيث تُصنع المراكب من الخشب كما تُصنع القصص من الذاكرة.
وفي كل فصل، ينزل الصيادون إلى البحر، كما نزل أجدادهم من قبل، يحدوهم الشغف، وتدفعهم الريح، وتُرافقهم الأغاني التي تنبت من الملوحة والحنين.
مسندم: نرويج الشرق وسرّ الخليج
تبدو من السماء كقطعةٍ من الجنة مزقتها الرياح لتستقر بين الجبل والماء.
تتسلل الشمس بين تعاريج الأخوار، وتُضيء وجه البحر بألوانٍ لا تُرسم، بل تُعاش.
تتناثر الشواطئ الذهبية حيوت، حل، قدا كما تتناثر الأمنيات على ضفاف القلب. وتخضرّ الواحات السي، الخالدية، الروضة كما يزدهر الحنين بين أغصان السدر.
وفي رأس مسندم، يفتح الجبل فكيه نحو المضيق، كأنه أسد يحرس بوابة البحار، شاهقًا في كبريائه، ساكنًا في هيبته.
خاتمة الحكاية: حيث لا تنتهي الحكاية
مسندم ليست وجهة، بل رحلة داخل الزمن والطبيعة والروح.
هي مكانٌ ترى فيه التاريخ مكتوبًا على الصخور، وتسمع فيه الشعر يُتلى مع هدير البحر.
هي الأرض التي تتعانق فيها الحكاية والطبيعة والإنسان، لتصنع تجربةً لا تُنسى، تُروى ولا تنتهي.
فَإن مَررتَ بمسندم، لا تكن سائحًا فقط…
كُن شاعرًا، أو حالمًا، أو مجنونًا بالعشق…
لأنها لا تُكتشف، بل تُعاش.




























