الصحوة – علي الحداد
في صمت الكبار، ومن دون ضجيج أو بهرجة إعلامية، يمضي معالي الشيخ مستهيل بن أحمد بن علي المعشني على دربٍ فريدٍ من نوعه، رسم ملامحه بالبذل والوقار، وبيدٍ لا تُمسك الخير بل تطلقه أنهارًا في كل اتجاه. هو رجل الدولة، والقبيلة، والإنسان، الذي جمع بين الأصل والنُبل، وبين الحكمة والرحمة، فصار رمزًا يُحتذى به في العطاء، والوقف، والولاء الوطني.
ليس في محافظة ظفار من لم يسمع باسم الشيخ مستهيل، بل ليس من بيتٍ في هذه الأرض الطيبة إلا وله فيه أثرٌ أو ذكرٌ طيّب. هو العمود الأصيل لكافة قبائل وأبناء ظفار، الجامع بينهم بالكلمة الطيبة، واليد السخية، والمواقف النبيلة. وقد امتد عطاؤه ليشمل كافة محافظات السلطنة، فلم يكن مقيدًا بجغرافيا أو حدود، بل آمن دومًا بأن الإنسان هو الغاية، أينما كان، ومن أي أرضٍ جاء.
من ثمار غرسه المبارك، أبناؤه الذين يشغلون مواقع بارزة في الدولة والاقتصاد الوطني، ومنهم معالي الشيخ سالم، والشيخ سعيد، والشيخ خالد، والشيخ قيس، والشيخ حمود، والشيخ سعود، الذين يواصلون مسيرة الأسرة في العطاء والعمل الوطني. أبناؤه ليسوا فقط حملة اسم، بل حملة إرث ومسؤولية، يُكملون الطريق الذي شقه والدهم ببصيرةٍ وحكمة، ويثبتون يومًا بعد يوم أن العطاء أيضًا يُورّث.
من غير مبالغة، يمكن القول إن معالي الشيخ مستهيل هو أحد روّاد العمل الوقفي المؤسسي في سلطنة عُمان. فقد أسّس جمعية خيرية وقفية برأسمال كبير بلغ 20 مليون ريال عُماني، مؤمنًا بأن إدارة الخير بعقل مؤسسي هو الضمان لاستدامته وتوسّعه. ولم يتوقف عند هذا الحد، بل قام بإيقاف 27% من حصته في جامعة ظفار لصالح الجمعية، في بادرة تاريخية تجسد تزاوجًا فريدًا بين دعم التعليم والعمل الإنساني، وتفتح بابًا جديدًا لفهم الوقف كثقافة مستقبلية تُسهم في بناء المجتمع لا الاكتفاء بمساعدته.
تاريخ معاليه حافل بالمبادرات والمواقف التي لم توثقها الصحف بقدر ما وثقتها قلوب الناس. خدم الكثير، والكثير جدًا، سواء من أبناء محافظة ظفار أو من خارجها. كم من بيتٍ أُنير بدعمه، وكم من شابٍ أُتيحت له فرصة تعليم بفضله، وكم من أرملة، ومريض، ويتيم، وجدوا في عطائه سندًا بعد الله. وما يميّز عطائه أنه لا يُقابل بعدسات الكاميرا، بل بدموع الامتنان في عيون الناس، من دون إعلان، ومن دون مقابل.
وفي بعد آخر من شخصيته، لم يغفل معالي الشيخ مستهيل أهمية الثقافة والتراث، بل أولاهما اهتمامًا كبيرًا. فقد دعم مركز ظفار للثقافة والتراث والإبداع، وكان له دور كبير في الحفاظ على الهوية الظفارية وتعزيز حضورها في المشهد الوطني. كما رعى مهرجانات وفعاليات محلية، أبرزها مهرجان حمراء الدروع، إيمانًا منه بأن تماسك المجتمع لا يُبنى فقط بالمادة، بل بالروح والثقافة والمشاركة.
ما يميّز معاليه، إلى جانب عطائه، هو تواضعه الجم وأدبه الرفيع. لا يسعى وراء الأضواء، بل يدع أعماله تتحدث عنه. وها هم أبناء ظفار، على اختلاف أعمارهم ومواقعهم، لا يذكرون اسمه إلا مقرونًا بعبارة: “تاج راسنا”، وهي عبارة تنبع من صدق الناس، لا من مجاملة، وتُقال بإجماع شعبي لا يُشترى.
معالي الشيخ مستهيل بن أحمد المعشني ليس مجرد شخصية مرموقة، بل مدرسة وطنية وإنسانية قائمة بذاتها. يجمع في شخصه بين الأصالة والحداثة، وبين القيادة والتواضع، وبين العمل بصمت وترك الأثر بعمق. وإنّ أثره في ظفار وعُمان باقٍ، كما تبقى شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تُظلّ من حولها، وتثمر خيرًا لا ينضب.
حفظ الله معالي الشيخ مستهيل بن أحمد المعشني، وأدام عليه الصحة والعافية، وبارك في عطائه وأثره .





























