الصحوة – بلقيس الهنداسية
في زمن تتسارع فيه التغيرات، وتزدحم العقول بثقافات خارجيّة وسلوكيات مستحدثة، تبرز مبادرات تربوية وطنية تحاول أن تعيد التوازن بين الحداثة والعراقة، وبين المستقبل والأصالة،
وفي قلب هذا المشهد، تبرز الأستاذة مريم بنت سعيد بن صقر الجابرية، معلمة تربية خاصة – “فكري“ بشمال الباطنة ، التي قررت أن تحوّل شغفها بالقيم العُمانية الراسخة إلى مشروع ملموس في كتاب يحمل عنوانًا كبيرًا: “السنع العُماني”.
كتابها ليس مجرد صفحات تُدرّس، بل هو محاولة جادة لصناعة وعي مجتمعي، يُعيد للأجيال الجديدة ما كاد يضيع في زحمة التقدم: احترام الكبير، توقير الوالدين، وآداب المجالس والمجتمع.
في هذا الحوار، نقترب من كواليس هذه المبادرة، ونتعرّف على دافعها وتحدياتها، وأمل مؤلفتها بأن يتحوّل هذا الجهد إلى منهج وطني يعيد بوصلة الهوية إلى اتجاهها الصحيح.
🔹بداية ، كيف بدأت فكرة تأليف كتاب “السنع العُماني”؟ وما الدافع وراء هذه المبادرة التربوية؟
جاءت الفكرة انطلاقًا من تجربتي الشخصية مع أبنائي الطلاب؛ إذ كنت دائمًا أحرص على تشجيعهم على التمسك بسلوكيات السنع، التي تربينا عليها ونقلها لنا آباؤنا ؛ فرغبتُ في جمع هذه القيم ضمن كتاب يحفظها ويقدمها لهذا الجيل بطريقة تربوية، لتكون نبراسًا يهتدي به في ظل تسارع التغيرات الثقافية والاجتماعية.
🔹 هل كانت هناك مواقف معينة دفعتكِ بقوة لتأليف هذا الكتاب؟
نعم، كانت هناك مواقف عدة وملاحظات متكررة على سلوكيات الطلبة، دفعتني للتفكير الجاد في تقديم هذا الكتاب، ليكون نواة لمشروع تربوي مستدام، يعيد غرس القيم الأصيلة في نفوس أبنائنا، خصوصًا في ظل التأثيرات السريعة للحداثة والعادات الدخيلة التي باتت تُزاحم موروثنا العُماني.
🔹كيف كانت رحلتك في جمع المحتوى؟ وهل واجهتِ صعوبة في تحديد ما يجب تضمينه ضمن “السنع”؟
رحلة إعداد الكتاب لم تكن سهلة، لكنها كانت ممتعة ومثرية، وواجهتُ بعض التحديات بطبيعة الحال، خصوصًا في انتقاء المحتوى المناسب للفئات العمرية المستهدفة، لكن لا مشقة في خدمة هذا الوطن العزيز والمجتمع الأصيل.
🔹ما أبرز القيم والعادات العُمانية التي ركزتِ عليها في الكتاب؟
ركزتُ على مجموعة من السلوكيات التي تُشكل جوهر “السنع العُماني”، منها:
•توقير الوالدين واحترام الكبير
•آداب الجلوس والتعامل
•صلة الأرحام
•خفض الصوت أثناء الأكل
•الترحيب بالضيوف وتوجيبهم
•احترام الجار
وغيرها من القيم التي ترسخ الاحترام والانتماء في نفوس الطلبة.
🔹هل جُرّب تطبيق محتوى الكتاب فعليًا في بيئة مدرسية؟ وما مدى التفاعل؟
نعم، ناقشنا بعض محاور الكتاب مع الطلاب داخل الصفوف، ونفذنا أنشطة تطبيقية تفاعلية مستمدة من مضامينه، وقد وجدنا تفاعلًا كبيرًا من الطلبة، وشغفًا ملحوظًا نحو هذه المفاهيم الجميلة التي تمس واقعهم اليومي.
🔹 ما الخطوات التي اتخذتِها لاعتماد الكتاب كمنهج رسمي؟
بدأتُ بعرض الفكرة على مديرة المدرسة التي رحبت بها وشجعتني، ولا أنسى وقفتها معي وإصرارها على إنجاز هذا الكتاب وطرحها للفكرة أمام صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد وزير الثقافة والرياضة والشباب في ملتقى “معا نتقدم“ ، وبذلت أنا جلّ جهودي لعرض محتوى الكتاب للتدقيق والمراجعة، وتم تدشينه بحضور بعض المشرفين التربويين الذين أبدوا إعجابهم بالجهد والمحتوى، وشجعوني على مواصلة العمل ليتم اعتماده كمنهج دراسي .
🔹هل تم التواصل مع وزارة التربية والتعليم؟ وما طبيعة التجاوب؟
نعم، تم تقديم الكتاب لسعادة المدير العام في المديرية العامة للتربية والتعليم بمحافظة شمال الباطنة، وقد نال استحسانه وأثنى على مضمونه وفكرته، مما منحني دافعًا كبيرًا للمضي قدمًا نحو تحقيق الاعتماد الرسمي.
🔹في حال أُقرَّ الكتاب رسميًا، ما الصف الدراسي الأنسب لتدريسه برأيك؟
أرى أن الصف الثالث هو المرحلة الأنسب لبداية تدريس هذا الكتاب، حيث يبدأ الطالب في هذا السن بالتشكيل السلوكي والاجتماعي بشكل أعمق، ويكون أكثر تقبلًا للقيم المجتمعية.
🔹 ما الرسالة التي توجهينها للمسؤولين في وزارة التربية والتعليم؟
رسالتي للمسؤولين أن يدعموا إدراج “السنع العُماني” ضمن المناهج الدراسية، سواء كمادة مستقلة، أو كمحتوى مدمج ضمن منهج “المواطنة” أو “المهارات الحياتية” ؛ فمثل هذه المبادرات تعزز الهوية الوطنية، وتُسهم في بناء أجيالٍ معتزة بقيمها الأصيلة.
🔹كيف يمكن للمجتمع، من أولياء أمور ومؤسسات، أن يُسهم في إنجاح هذا التوجه؟
البيت هو الأساس، لذا يجب أن يكون هناك تعاون حقيقي بين الأسرة والمدرسة؛ فالقدوة الحسنة من ولي الأمر تؤثر بشكل مباشر في سلوك الأبناء، كما أن المؤسسات يمكنها دعم المبادرة عبر البرامج المجتمعية والإعلامية.
🔹 كلمة أخيرة توجّهينها لجيل اليوم؟
الموروث العُماني ليس مجرد صفحات نقرأها، بل هو روح نعيشها وجذور نثبت بها في زمن التغيرات ؛ فكل لهجةٍ ننطق بها، وكل زيٍّ نرتديه، وكل سلوكٍ نمارسه، هو جزء من هويتنا الأصيلة، فلنحملهُ معنا في بيوتنا، ونزرعه في نفوس أبنائنا، ونحتفي به في مدارسنا ومجتمعنا، حتى يبقى تراث عُمان حيًّا نابضًا في قلوب الأجيال، لا يُمحى ولا يُنسى.
في الختام، يأتي كتاب “السنع العُماني” كجهد وطني مخلص يُعبّر عن رغبة حقيقية في صون القيم العريقة وترسيخ الهوية الأصيلة في نفوس أبنائنا ؛ فالمبادرات التربوية التي تنبع من واقعنا وتُلامس احتياجات طلابنا تستحق أن تُحتضن وتُدعم، لما لها من أثر عميق في بناء جيل واثق بجذوره، معتزّ بموروثه، منفتح على العالم دون أن يفقد ملامحه.
وتبقى مثل هذه الجهود التربوية خطوة مباركة نحو مستقبل يحترم ماضيه ويستعد لغده بأصالة ورقي ووعي.



























