الصحوة – شيماء المعولية
في زمنٍ أصبح فيه الابتكار هو العملة الأهم، وتحوّلت فيه الأفكار البسيطة إلى مشاريع عملاقة تقود التحولات الرقمية، تبرز مبادرات شبابية تسير بثقة على خطى المستقبل، ومن قلب السلطنة، بزغت “رف” كواحدة من تلك المنصات التي انطلقت من حاجة حقيقية، وتحولت إلى أداة تقنية تختصر الطريق أمام من يحلم بخوض عالم التجارة الإلكترونية.
لم تنطلق “رف” من تنظير نظري أو رغبة في تقليد تجارب خارجية، بل جاءت من مراقبة قريبة لواقع يعيشه الشباب الطامحون في عُمان، حيث لاحظ فريقها المؤسس أن كثيرًا من أصحاب المشاريع الصغيرة، الحرفيين، والمبتدئين في عالم التجارة، يواجهون صعوبات جمّة في بناء متاجرهم الإلكترونية، لا سيّما أمام العقبات التقنية وارتفاع التكاليف، مما حرم عددًا كبيرًا منهم من دخول هذا السوق الحيوي، ومن هذا التحدي الواقعي، تولّدت الفكرة، وتشكلت الرؤية: منصة تتيح لأي شخص، أيًا كان مستواه الفني، أن يبني متجره في دقائق، دون الحاجة إلى مبرمج أو مصمّم أو خبير تقني.
قال الخطاب بن سعيد الهاشمي، مدير الموارد البشرية في الشركة، إن “رف” بدأت بخطوات متواضعة لكنها مدروسة، في ظل شُح الموارد وغياب الفريق المتكامل، فضلًا عن صعوبة إقناع الناس بفكرة متجر إلكتروني يعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي. تولّى الفريق بناء نموذج أولي بسيط، وقاموا بتجربته على عدد محدود من المستخدمين، واستمعوا بعناية إلى ملاحظاتهم، ثم أدخلوا تحسينات متتالية حتى كسبت المنصة ثقة أول جمهور لها، حيث قال الهاشمي: “لم يكن النجاح وليد صدفة، بل نتيجة مباشرة للعمل التراكمي والاستماع الحثيث والتطوير المستمر.”
ويؤكد الهاشمي أن ما يميز “رف” هو تبسيط العملية دون التفريط في الجودة، حيث يستطيع المستخدم أن يكتب فكرته أو يرفق صورة، ليتولى الذكاء الاصطناعي تحويلها إلى متجر متكامل، يبدأ من إدراج المنتجات وتصميم الواجهة، ويمتد إلى ربط بوابات الدفع، وتوليد أوصاف تسويقية وأسعار مناسبة، وكل ذلك يتم من خلال واجهة مبسطة خالية من التعقيد، لا تتطلب أي معرفة تقنية، وبلغة واضحة مع تفادي المصطلحات التقنية المعقدة، من خلال أسئلة موجّهة، يُنشئ المستخدم متجره خلال دقائق معدودة، في تجربة وصفها الهاشمي بأنها “تحرّر التاجر من عبء التقنية”.
لم تُبْنَ المنصة فقط لتيسير الإنشاء، بل لتمكين المستخدم من اتخاذ قرارات تجارية أكثر ذكاءً، فالذكاء الاصطناعي المدمج يُقدّم تحليلات دقيقة لأداء المنتجات، ويقترح أسعارًا تنافسية، ويُبرز العناصر الرائجة، فضلًا عن توفير أوصاف تسويقية مصاغة بأسلوب احترافي، وبهكذا أصبح المستخدم، ولو لم يكن خبيرًا، قادرًا على إطلاق مشروعه بثقة ومهنية، ويؤكد الهاشمي على ذلك بقوله: “إن الذكاء الاصطناعي ليس فقط أداة لإنشاء المتجر، بل شريك يُساعد المستخدم على اتخاذ قرارات ذكية تسهم في نجاح مشروعه.
” اختارت “رف” أن تخدم شريحة لم تكن تجد لها موطئ قدم في العالم الرقمي، فرأت في أصحاب المشاريع المنزلية، والحرفيين، والمبادرين المستقلين الذين غالبًا ما يفتقرون إلى الدعم الفني أو رأس المال الكبير جمهورًا يستحق أداة عملية تدعم انطلاقته، فجاءت المنصة كجسر يربط بين الفكرة والتنفيذ، بين الحلم والواقع، فحرّكت سكونًا في سوق ظل لفترة طويلة حكرًا على أصحاب الميزانيات العالية أو الخلفيات التقنية المتقدمة، ويقول الهاشمي: “نهدف إلى تمكين فئة تحتاج إلى حلول مبسطة وفعالة، فهؤلاء هم اللبنة الأساسية في بناء اقتصاد رقمي قوي ومزدهر.
” هذه الرؤية الجريئة والإصرار على التمكين، أثمرا عن اختيار “رف” ضمن أفضل 40 شركة ناشئة على مستوى السلطنة في برنامج “إنجاز عمان 2025″، في اعتراف اعتُبر علامة فارقة في مسيرة الفريق، ففتح هذا الإنجاز أبوابًا واسعة للتواصل مع جهات استثمارية واستشارية، ومنح المشروع دفعة قوية نحو التوسّع والتطوير، حيث يقول الهاشمي: “كان هذا الاختيار بمثابة شهادة تقدير على جهودنا، وفتح أمامنا أبوابًا جديدة للمضي قدمًا في تطوير المنصة.
” منذ انطلاقتها في يناير 2024، استطاعت المنصة أن تثبت وجودها بثقة، وأن تبني قاعدة من المستخدمين الذين وجدوا فيها شريكًا حقيقيًا، لا مجرد أداة تقنية، كما تلعب المنصة دورًا هامًا في دعم الاقتصاد الرقمي في السلطنة، حيث يؤكد الخطاب: “كل متجر يُطلق عبر ‘رف’ هو نشاط تجاري جديد يساهم في تعزيز الاقتصاد الرقمي في السلطنة خطوة أخرى و يفتح نافذة جديدة للإبداع والفرص ويدعم الابتكار المحلي“.
يعمل الفريق حاليًا على تحسين تجربة المستخدم، وتطوير أدوات تحليل متقدمة، وزيادة التكامل مع مزودي الخدمات المحليين، ويخطط لإطلاق النسخة النهائية للمنصة مطلع 2026، مع تقديم خيارات اشتراك متنوعة تناسب جميع الفئات، فشرح الهاشمي ذلك بقوله: “نسعى لأن تكون النسخة القادمة أكثر مرونة وشمولية، تلبي تطلعات المستخدمين وتدعم نمو مشاريعهم.”
أما على الصعيد الإقليمي، فالتوسع هو حلم قيد التشكّل، إذ تستهدف “رف” الأسواق الخليجية التي تشترك في تحديات مشابهة، لكن الطريق نحو الخليج يتطلب شراكات استراتيجية مع بوابات الدفع، شركات الشحن، ومؤسسات داعمة لريادة الأعمال، وهي خطوات يعمل الفريق على تحقيقها بعناية وثبات، حيث يعبر عن ذلك الخطاب بقوله: “نسعى لبناء تحالفات قوية مع شركاء محليين في كل سوق، لنتمكن من تقديم خدمة متكاملة وملائمة لكل مستخدم.
” الرؤية البعيدة التي تقف خلف المشروع لا تقتصر على إنشاء منصة لتصميم المتاجر، بل تمتد إلى صياغة تجربة تجارة إلكترونية حديثة، تُبنى على الذكاء الاصطناعي، وتضع المستخدم في قلب المعادلة. هذا الطموح عبّر عنه الهاشمي بقناعة راسخة حين قال إنهم يسعون لجعل “رف” الوجهة الأولى لكل من يرغب في دخول السوق الرقمي بسهولة.
في سلطنة عمان والمنطقة بأسرها، تتسارع وتيرة التحول الرقمي، ويتحوّل السلوك الاستهلاكي والريادي نحو أدوات ذكية تواكب هذا التغيّر، ولكن “رف” لا تسير خلف هذا التحوّل، بل تسعى لقيادته من موقع المبادرة. ومن بين الرسائل التي يحملها المشروع، تلك التي وجهها الخطاب إلى الشباب الحالمين بدخول العالم الرقمي: “لا تنتظر الموارد أو الظروف المثالية، بل ابدأ من مشكلتك الصغيرة، وابحث عن حل بسيط، وانطلق به نحو الواقع. ففي الخطوة الأولى يكمن الطريق، ومع الإصرار، تكبر الأفكار، وتتحوّل المنصات.”



























