الصحوة – علي الحداد
منذ انطلاقتها كدولة حديثة بقيادة السلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – وحتى عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه – تميزت السياسة الخارجية العُمانية بالحكمة، والاتزان، والنأي عن الاستقطاب، والتمسك بالمبادئ الإنسانية والقومية. ويُعد الموقف العُماني من القضية الفلسطينية واحدًا من أبرز ثوابت هذه السياسة، حيث التزمت السلطنة بموقف واضح لا لبس فيه، ينحاز للحق الفلسطيني المشروع، ضمن إطار القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
بيانات الخارجية العُمانية: لحظات دبلوماسية تعكس بُعدًا أعمق
في عام 2025، شهد العالم تحولات لافتة في مواقف بعض القوى الغربية من القضية الفلسطينية، بدأت بإعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مايو عزمه على الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة القادمة. وسارعت سلطنة عُمان آنذاك إلى إصدار بيان رسمي عبر وزارة الخارجية، أعربت فيه عن “إشادة السلطنة وترحيبها بالإعلان التاريخي” للرئيس الفرنسي، وكررت دعوتها لبقية الدول غير المعترفة أن تحذو حذوه.
ثم جاء إعلان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في 30 يوليو 2025، عن نية بلاده القيام بخطوة مماثلة، ما دفع السلطنة إلى إصدار بيان جديد رحبت فيه بالموقف البريطاني، في لحظة دبلوماسية أخرى عكست التزامها الثابت بالقضية الفلسطينية، مع قراءة واعية للمتغيرات الدولية.
وقد بدا البيان البريطاني، على غرار الفرنسي، ترحيبًا دبلوماسيًا، إلا أن القراءة المتعمقة له تكشف عن مضامين سياسية عميقة:
• أولًا: يُشير البيان إلى أن سلطنة عُمان تتابع باهتمام التحولات في المواقف الغربية، خصوصًا من دول ذات ثقل سياسي وتاريخي في الملف الفلسطيني، مثل فرنسا وبريطانيا.
• ثانيًا: لم يكتفِ البيان بالترحيب، بل مضى ليُجدد الدعوة الصريحة لبقية دول المجتمع الدولي أن تبادر بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، بما يعكس تمسّك عُمان بدورها كصوت عقلاني ووازن يطالب بتصحيح الخلل التاريخي في النظام الدولي.
• ثالثًا: أكد البيان كما في الموقف من فرنسا على الثوابت العُمانية: إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، في إطار حل الدولتين، بما يكفل سلامًا عادلًا ودائمًا في الشرق الأوسط.
البُعد الاستراتيجي في الموقف العُماني
ما يميز السياسة العُمانية هو الجمع بين الواقعية السياسية والمبدئية الأخلاقية. فرغم علاقات السلطنة المتوازنة مع مختلف أطراف النزاع في الشرق الأوسط بما في ذلك الحفاظ على قنوات مفتوحة مع جميع الفاعلين الدوليين والإقليميين إلا أن موقفها من فلسطين لم يكن خاضعًا لأي مساومة.
تدرك مسقط جيدًا أن استقرار المنطقة لن يتحقق دون حل عادل للقضية الفلسطينية، وأن تجاهل الحقوق الفلسطينية ليس فقط إخلالًا قانونيًا وإنسانيًا، بل قنبلة موقوتة تهدد الأمن الإقليمي والدولي على المدى الطويل. لذا، فإن الموقف العُماني يتسم بنضج استراتيجي، يربط بين العدالة والسلام، وبين الحق السيادي الفلسطيني والاستقرار الإقليمي.
السياسة الخارجية العُمانية: مدرسة فريدة في العمل الدبلوماسي
النهج العُماني في السياسة الخارجية يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية:
1. الحياد الإيجابي: لا تتورط عُمان في التحالفات العسكرية أو المحاور الإقليمية المتصارعة، لكنها لا تقف على الحياد الأخلاقي عندما يتعلق الأمر بالعدالة وحقوق الشعوب.
2. الحوار كأداة استراتيجية: تؤمن السلطنة بأن الدبلوماسية الهادئة والحوار المتكافئ هو السبيل الأمثل لحل النزاعات، وهذا ما ظهر جليًا في دورها في ملفات إقليمية كبرى، كالاتفاق النووي الإيراني، والمصالحة الخليجية، والأزمة اليمنية.
3. الاستقلالية في القرار: تتخذ عُمان مواقفها بناءً على قراءاتها لمصالحها ومبادئها، لا استنادًا إلى ضغوط خارجية أو اصطفافات مرحلية.
في السياق العربي والدولي
بينما تميل بعض العواصم العربية إلى تأجيل المواقف الحاسمة بانتظار التوافقات الدولية، أو تتبنى مواقف ملتبسة خشية فقدان توازناتها الاستراتيجية، تتقدم مسقط بثقة على مسار واضح. وهي بهذا تُعيد تذكير العالم العربي بدوره الأصيل في الدفاع عن القضية الفلسطينية، لا كشعار بل كواجب.
كما أن توقيت البيانات العُمانية سواء مع الموقف الفرنسي أو البريطاني – يدل على رغبة مدروسة في تحفيز مناخ دولي داعم وخلق زخم متصاعد من الاعترافات، يعيد للقضية الفلسطينية مكانتها القانونية والدبلوماسية التي تراجعت في العقود الأخيرة.
خاتمة
السياسة العُمانية تجاه القضية الفلسطينية ليست مجرد موقف سياسي لحظي، بل تعبير عن رؤية استراتيجية وإنسانية متجذّرة في ثوابت الدولة. وبينما يتغير العالم من حولنا، تُبقي عُمان على بوصلتها ثابتة نحو المبادئ، مُدركة أن السلام الحقيقي لا يُبنى على القوة وحدها، بل على الاعتراف المتبادل، واحترام الحقوق، وتحقيق الكرامة للشعوب.
وفي عالم يزداد فيه التباس المواقف وتضارب المصالح، تبقى عُمان كما كانت دومًا صوت الحكمة والضمير في السياسة العربية والدولية .




























