الصحوة – خميس بن سالم الحراصي
فمع تسارع التغيرات المناخية، وتزايد وتيرة الكوارث الطبيعية، لم تعد إدارة الأزمات مجرد استجابة، بل رؤية وطنية طويلة المدى، تُبنى على التخطيط المسبق للمواجهة، والعلم والمعرفة لمجابهتها ، وتمكين الإنسان للتعامل مع وطأتها والحد من اثارها باحترافية آمنة وهذا ما توليه سلطنة عُمان من جاهزيتها للمخاطر المتعددة مثل أمواج التسونامي فقد انتهجت منهجًا لا يُختبر في الطوارئ فقط، بل يُعاش ويُدرّب عليه باستمرار، فمن زلزال روسيا إلى التخطيط المسبق والاستعداد الوطني للمواجهة لأمواج المد العالي تسونامي بشواطئ السلطنة.
في تمام الساعة 04:47 صباحًا بتوقيت غرينتش يوم 29 يوليو 2025، سجّلت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) زلزالًا هائلًا بلغت قوته 8.8 درجات على مقياس ريختر، وذلك على بعد حوالي 180 كيلومترًا شرق شبه جزيرة كامشاتكا في أقصى الشرق الروسي.
تتميز جمهورية روسيا الاتحادية باتساعها الجغرافي الذي يشمل نطاقات تكتونية متنوعة، مما يؤدي إلى نشاط زلزالي متفاوت الشدة بحسب المنطقة. تتركز أقوى الزلازل الروسية عادةً في أقصى الشرق الروسي، ولا سيما في شبه جزيرة كامشاتكا وجزر الكوريل ، حيث تنغمس صفيحة المحيط الهادئ تحت صفيحة بحر أخوتسك عند حدود تصادم نشطة تعرف بخندق كوريل -كامشاتكا . وتولِّد هذه العملية زلازل عنيفة قد تُحدث أمواج تسونامي وتسبب نشاطًا بركانيًا في المنطقة. في المقابل، تشهد مناطق أخرى من روسيا نشاطًا زلزاليًا متوسطًا مثل منطقة صدع بحيرة بايكال في سيبيريا وجنوب روسيا بالقرب من القوقاز، ولكن بقوة أقل نسبيًا. وشهدت منطقة بحيرة بايكال زلزالًا معتدلًا بقوة 5.6 درجة في أوائل عام 2025 وقع مركزه في مياه البحيرة بالقرب من ساحل مقاطعة إيركوتسك، ولم يُسفر عنه أضرار أو إصابات تذكر.
وجيولوجيًا، تقع منطقة كامشاتكا على ما يُعرف بـ”حلقة النار”، وهي نطاق نشط جدًا للزلازل والبراكين حول حواف المحيط الهادئ، ونتج الزلزال الأخير عن تصادم الصفحتين التكتونيتين: الصفيحة الهادئة (Pacific Plate) التي تنزلق أسفل صفيحة أمريكا الشمالية عند هذه النقطة، بعملية تُعرف بالاندساس (Subduction).
هذا النوع من الزلازل يُعرف بـ “Megathrust Earthquake”، ويُعد من أخطر الأنواع، لأنه يحدث عند أعماق سطحية نسبياً أقل من 30 كم، يؤدي إلى تشوه قاع المحيط ودفع كميات هائلة من المياه، ويسبب موجات تسونامي قد تنتشر عبر آلاف الكيلومترات، وقد صدرت تحذيرات دولية لموجات تسونامي للدول المطلة على المحيط الهادئ وشمال المحيط الهندي، وصلت الموجات الأولى إلى جزر الكوريل واليابان، بينما بقيت بقية الدول في حالة تأهب، بما في ذلك سلطنة عمان التي تراقب مثل هذه الكوارث بدقة عبر منظومتها الوطنية.
رغم أن السلطنة بعيدة جغرافيًا عن كامشاتكا، إلا أنها ليست بمأمن عن المخاطر المشابهة، إذ تُطل سواحلها الطويلة على بحر العرب، حيث يقع صدع ماكران النشط زلزاليًا قرب السواحل الباكستانية – الإيرانية.
وقد سبق أن سجّلت المنطقة في عام1945 زلزالًا كبيرًا 7.9 درجات ، ولّد موجات تسونامي وصلت إلى سواحل سلطنة عمان وخلفت أضرارًا في بعض القرى الساحلية. ومن هنا، برزت جهود السلطنة بأن الجاهزية لمثل هذه الكوارث ليست ترفًا، بل ضرورة استراتيجية وتخطيط مسبق للمواجهة.
أنشأت السلطنة المركز الوطني للإنذار المبكر من المخاطر المتعددة عام 2015، ليكون مركزًا تقنيًا وتحليليًا متقدمًا، يضم المركز شبكة وطنية من محطات رصد الزلازل ومجسات بحرية لقياس تحركات قاع البحر، وبرامج محاكاة لموجات التسونامي خلال دقائق، وواجهة تنبيه ذكية متصلة بشبكات الاتصالات، الإعلام، والأمن.
ويقوم المركز الوطني من المخاطر المتعددة، برفع الإنذار للمركز الوطني للجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة، ويُصدِر أول تقييم تقني لكل خطر بحري قد يهدد السلطنة، كالذي حدث في زلزال روسيا، حيث يتم تفعيل اللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة، وهي الجهة الأعلى تنسيقيًا في السلطنة لإدارة مثل هذه الحالات التي تهدد أمن وسلامة السلطنة، فيتم من خلال ذلك الإنذار تُفعّيل غرفة الطوارئ الوطنية، وتصدر التعليمات بتفعيل قطاعات المنظومة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة والمتمثلة في الجهات الأمنية، الصحية، والخدمية وخدمات البحث والإنقاذ مع تفعيل اللجان الفرعية في المحافظات لبدء خطط الإخلاء حيث يتم نشر الإجراءات عبر الإعلام الرسمي، وعبر رسائل تنبيه للمواطنين وأنظمة الإنذار الأخرى بتفعيل مراكز إيواء عند الحاجة، وتبدأ العمليات لخدمات الطوارئ والإسعاف والجهات المساندة.
وتأتي جاهزية سلطنة عُمان، من خلال تنفيذ سلسلة من التمارين الميدانية النوعية التي أشرفت اللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة والمركز الوطني من المخاطر المتعددة على تنفيذها، ومن أبرزها: IOWaveتمارين:
التي تم تنُفيذها بنجاح في عدة ولايات منها ولايات صور، قريات، وبركاء، واشتملت على تنفيذ تمارين إخلاء لمئات الطلبة والمواطنين خلال وقت قياسي، تم فحص وتشغيل أنظمة الإنذار المبكر، واختبار جاهزية فرق البحث والإنقاذ بهيئة الدفاع المدني والإسعاف واللجان الفرعية في اللجنة الوطنية، والتي نفذت عدة تمارين واقعية لمواجهة أمواج المد العالي تسونامي وضعت آلاف السكان في محاكاة حقيقية الاختبار الجاهزية والتخطيط للمواجهة ونسّقت توزيع الموارد، وفعّلت غرف الإيواء، مثل تمرين: IOWave18 بركاء السوادي
الذي كان اختبار لجاهزية القرية الساحلية عبر خطة إخلاء شاملة للسكان يتم من خلالها قياس الزمن بين إطلاق الإنذار ووصول السكان إلى النقاط الآمنة المحددة، وشاركت فيه قطاعات المنظومة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة، كا قطاع البحث والانقاذ بهيئة الدفاع المدني، وقطاع الاستجابة الطبية بوزارة الصحة، وقطاعات المنظومة الاخرى كالشرطة، ووسائل الإعلام والجهات الأخرى.
واستناداً لذلك لم تنتظر سلطنة عُمان وقوع الكارثة لتتحرك، بل بادرت منذ سنوات بخطوات عملية وعلمية استباقية مدروسة ومخطط لها تبرز من خلال ذلك الدور الريادي في التوعية بمخاطر امواج المد البحري العالي تسونامي وطرق التعامل معها، بهدف تقليل آثارها المحتملة على الأرواح والممتلكات.
وجاء هذا التحرك الاستراتيجي بتوجيهات سامية من لدن المغفور له السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – وتواصل العزم في النهضة المتجددة بقيادة عاهل البلاد المفدى جلالة السلطان هيثم بن طارق حفظه الله، بعد أن أثبتت الكوارث السابقة عالميًا، مثل تسونامي إندونيسيا عام 2004، ضرورة الجاهزية المسبقة.
ودشنت السلطنة مشروع الإنذار المبكر من المخاطر المتعددة، تضمن من خلاله الى إنشاء مركز وطني متكامل يضم أحدث تقنيات الرصد الزلزالي والبحري وأنظمة مراقبة مستمرة لموجات البحر والضغط تحت السطحي وكوادر وطنية مدربة تدريبًا متخصصًا في قراءة بيانات التسونامي وتحليلها وإيجاد إدارات بحرية متكاملة لمراقبة الأمواج والإنذار المبكر، وتزامن افتتاح المركز مع الاحتفال باليوم العالمي للأرصاد الجوية في 23 مارس 2015م مما يرمز إلى ارتباطه بمنظومة دولية أوسع.
لم تكتفي السلطنة بتركيب الأنظمة فحسب بل سعت إلى تعزيز الجاهزية المجتمعية والعملياتية من خلال تنفيذها لتلك التمارين الميدانية التي تحاكي الاستعداد والجاهزية لمواجهة خطر التسونامي الحقيقي.
حيث يأتي التخطيط السليم في رفع مستوى الجاهزية من خلال فحص كفاءة أنظمة التنبيه والانذار المبكر والتنسيق بين الجهات الحكومية في منظومة اللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة وإشراك المواطنين في محاكاة التخطيط الواقعي لاختبار قدرات الإخلاء في المناطق الساحلية. وهو من أبرز ما يُحسب للنهج العُماني لمدى إدراكه أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، بل لا بد من نشر الوعي والتدريب المسبق.
ومن ضمن الجهود الوطنية التي عملت عليها السلطنة للتخطيط للمواجهة إدخال موضوعات التوعية بالتسونامي ضمن المناهج المدرسية وإعداد خرائط محلية للإخلاء توزّع في المدارس والمجالس المحلية وتدريب الفرق المجتمعية التطوعية على كيفية التعامل مع الإنذار وإطلاق الحملات التوعية الإعلامية بلغات متعددة، تشمل فئات العمالة الوافدة المتواجدة على ارض هذا الوطن المعطاء.
ولم تكن تلك الجهود على المستوى المحلي فقط، بل انطلقت نحو شراكات إقليمية ودولية متقدمة، من أبرزها: العضوية الفاعلة في النظام الإقليمي للإنذار من تسونامي المحيط الهندي (IOTWMS) التابع لليونسكو وسعت الى التبادل الفوري للبيانات للزلازل وموجات المد العالي وارتفاع المياه مع الهند، إيران، باكستان وسعت الى استضافة خبراء دوليين لتدريب الكوادر الوطنية على أحدث نماذج المحاكاة بالإضافة الى المشاركة في تمارين دولية مثل IOWave مع دول آسيا ودول الخليج العربي. تمت الإشادة بجهود السلطنة من قبل العديد من المنظمات العالمية والدول مثل منظمة اليونسكو، ضمن برنامج Tsunami Ready واللجنة الحكومية الدولية للمحيطات (IOC) والدول المجاورة التي استفادت من خبراتها في التدريب والتخطيط.
وأن زلزال روسيا، رغم بُعده، أرسل لنا إشارات مهمة بأن الخطر لا يعترف بالحدود الجغرافية وان الزمن عنصر حاسم فمن لحظة وقوع الزلزال إلى وصول الموجة، قد لا يتجاوز 30 دقيقة وان أنظمة الإنذار لا تنقذ إلا إذا كان مصحوبًا ذلك بوعي مسبق وتحرك سريع وبذلك تعاملت سلطنة عُمان مع هذه الحقائق بحكمة جمعت فيها بين العلم الحديث و البنية المؤسسية المتينة والإنسان المدرب على التجربة العملية الميدانية وبذلك تقدم نموذجًا يمكن تصديره للدول الساحلية الأخرى في المنطقة فمن خلال نظامها المتكامل للإنذار المبكر، وتمارينها الواقعية الملموسة على ارض الواقع ، وشراكاتها الدولية المتعددة. فالكارثة قد تكون حتمية، لكن الخسائر ليست كذلك فمن يمتلك القرار قبل الأمواج، يملك فرصة النجاة بعدها.
وتصبح الجاهزية ليست خيارًا… بل موقف دولة فالكارثة قد تكون طبيعية لكن الخسائر تصنع بالإهمال
وسلطنة عُمان، كما أكّدت تجاربها وتمارينها ووعي مؤسساتها، ليست فقط مستعدة، بل تصنع الفارق، وتبني المستقبل بقرارات الحاضر وبرؤية مستقبلية واضحة.




























