الصحوة – سيف بن حمد الجرادي
حين نتأمل رؤية حضرة صاحب الجلالة – حفظه الله – في أكثر من مناسبة، نلمس وعيًا عميقًا بدور الإنسان العُماني في بناء المستقبل، وتأكيدًا واضحًا على أن الشباب هم الثروة الحقيقية، وأن تمكينهم التزام وطني، فالرؤية السامية ترسم طريقًا لا يحتمل التأويل في بناء الإنسان، واحتضان القدرات، وتمهيد الطريق للكفاءات كي تسهم في تنمية الوطن وازدهاره، غير أن هذا التوجه السامي كثيرًا ما يُصطدم بواقع مغاير في الممارسة المؤسسية، حيث تصدر تصريحات رسمية متباينة بين الفينة والأخرى من قبل المسئولين التنفيذيين ، أن الوزارة غير معنية بالتوظيف، أن الخريجين غير مؤهلين لسوق العمل، وأننا غير مسؤولين…..الخ ، وبين رؤية تتحدث عن التمكين، وخطاب تنفيذي يحمّل الشباب مسؤولية التحديات، تتسع الفجوة وتتفاقم الازمة، فإذا كانت الدولة تؤمن بالشباب وتعدّهم شركاء في بناء المستقبل، فلماذا تتعثر مساراتهم؟ وإذا كانت الرؤية واضحة، فلماذا لا تترجم إلى فرص حقيقية؟ أين الحلقة المفقودة بين الخطاب الوطني والممارسة التنفيذية؟ إن طرح هذه الأسئلة تكشف ثلاثية متشابكة، رؤية عليا واضحة، وفعل تنفيذي متعثر، وأثر اجتماعي واقتصادي متصاعد، فالرؤية موجودة، وقد صيغت بأعلى المستويات، لكن الفعل التنفيذي – على مستوى مؤسسات التشغيل والتأهيل – لا يسير بالزخم نفسه، بل يراوح في دائرة المبادرات المرحلية التي لا تمس جوهر الإشكال، وبهذا، تضيع الثقة، وتتحول الحلول إلى شعارات لا تجد طريقها إلى أرض الواقع، وتغيب معها القدرة على إيجاد حلول قابلة للتحقق.
إن الحلقة المفقودة ليست غامضة كما يُراد لها أن تبدو، بل واضحة، وجوهرها غياب الإرادة الجادة للاعتراف بالأزمة ومعالجتها من جذورها، فالمشكلة لا تكمن في نقص الأدوات أو ضبابية الرؤية، بل في غياب الرغبة الحقيقية في الانتقال من التبرير إلى الإصلاح، ومن المعالجات الظرفية إلى الحلول الاستراتيجية العميقة، لقد بات من الضروري الاعتراف بأن مؤسسات الدولة تتحمّل مسؤولية توفير وتأمين بيئة العمل، ليس من خلال قرارات متجزأة تُعالج الظاهر وتغفل الجذور، بل من خلال رؤية تنموية متكاملة تبني الحلول وتستشرف المستقبل ، فالاستمرار في إصدار قرارات غير منسجمة أو غير مدروسة كفيلة بأن تخلق أزمات جديدة، وتؤدي إلى توسّع دائرة المسرّحين والباحثين عن العمل، مما يضاعف من حجم الأزمة ويحولها تدريجيًا إلى أزمة مركّبة تمسّ المجتمع والاقتصاد والأمن الوطني.
في عمق هذه الأزمة، تقف القوى الوطنية، وعلى رأسها الشباب الباحث عن العمل، ككتلة وطنية معطلة، هؤلاء لا يشكّلون فقط تحديًا إداريًا، بل يمثّلون فرصة مهدورة، وإن تراكم أعدادهم لا يعني فقط إخفاقًا في توفير بيئة العمل وفرص التوظيف، بل يعكس خللًا بنيويًا في قراءة السوق، وتخطيط الموارد، وربط التعليم بالتنمية، وهو خلل لا تقف آثاره عند البعد الفردي، بل تتسع دائرته لتشمل الاقتصاد والمجتمع والدولة، وعليه، لا نواجه مجرد تحدٍّ اقتصادي، بل أزمة مركّبة تتغلغل في عدة مستويات متداخلة، فكل شاب لا يجد فرصة عمل هو طاقة إنتاجية معطّلة، ويتحول من عنصر فاعل إلى مستهلك لا يُضيف قيمة حقيقية لعجلة السوق، مما يؤدي إلى تباطؤ الدورة الاقتصادية ويؤثر على حركة الطلب والإنتاج، كما يشكل في الوقت نفسه استنزافًا غير مباشر للموازنة العامة، التي تتحمّل كلفة الإعالة بدلًا من تحفيز الإنتاج، ويتحول هذا العجز الاقتصادي إلى أثر اجتماعي ملموس، حيث تتنامى مشاعر الإحباط، ويتآكل الانتماء، وتتشكل ثقافة من اللامبالاة والإقصاء، وتقوّض التماسك المجتمعي من الداخل.
فحين تتراكم الحاجة وتنعدم الفرص، فإن المسألة لا تبقى في حدود المعاناة الفردية، بل تتحول إلى تهديدات أمنية وسياسية متداخلة، فالحاجة تولِّد الجريمة، والشعور بالخذلان يخلق فجوات عميقة ، مما يُمهّد الطريق أمام أطراف مُضلّلة للتسلل إلى نفوسهم، واستثمار ضعف الانتماء في بث الخطاب العدائي أو السلوك التخريبي، فالأخطار لا تنبع فقط من الاحتجاج العلني، بل من الغضب الصامت الذي يتخمَّر بصمت، ومن انسحاب الثقة التدريجي من المؤسسات، حين لا يجد الخطاب التنموي تمثيله الواقعي، وهنا تتحول الفجوة بين المجتمع وصانع القرار من فجوة إدارية إلى أزمة وجودية تهدد الامن الداخلي.
إن الانتقال من التنظير إلى التمكين الحقيقي يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين المكونات الوطنية، وتحويلها إلى شراكة فاعلة، تستند إلى الثقة والكفاءة وتستحضر التحديات بلغة واقعية، وهذا يستدعي إعادة هيكلة مؤسسات التشغيل لتتحول من مراكز تسجيل جامدة إلى منصات حيوية تنتج الفرص وتربط الكفاءة بالاحتياج، وتتفاعل مع الشباب باعتبارهم موردًا لا عبئًا، فلا يمكن لأي سياسة تشغيل أن تنجح إذا ظل التعليم منفصلًا عن السوق، وإذا بقيت الجامعات تُنتج مخرجات لا تملك مفاتيح الانخراط في عالم سريع التحول، فالمطلوب اليوم هو إعادة تشكيل العلاقة بين المؤسسات التعليمية وسوق العمل، بحيث لا تكون الشهادة مجرد فرحة في منصات التخرج ومن ثم عبور نحو البطالة، بل بوابة نحو الإبداع المهني والمساهمة الفعلية في الاقتصاد الوطني، ويجب أن تدرك الجامعات أنها لم تعد مسؤولة فقط عن نقل المعرفة، بل عن إعداد جيل قادر على التفاعل مع متغيرات الاقتصاد المعرفي، بما يتطلبه من مهارات رقمية، وروح ريادية، وقدرة على الابتكار، فإن مستقبل التنمية مرهون بقدرتنا على التحول من التعليم التقليدي إلى تعليم ينتج معرفة قابلة للتطبيق، ومشاريع قابلة للنمو، وسلوكًا إنتاجيًا متجددًا.
إن حلّ هذه الأزمة لا يمكن أن يكون جزئيًا أو ارتجاليًا، بل يجب أن يُبنى على شراكة وطنية شاملة وجادة، يشارك فيها جميع الأطراف بوعي ومسؤولية، فالمجالس التشريعية والرقابية لم تعد معفية من دورها، بل هي مطالبة اليوم بأن تتجاوز مربع المراقبة إلى المساهمة الفعلية في صياغة السياسات، ومتابعة اتساقها مع الرؤية الوطنية، واقتراح التشريعات المُحفّزة على التشغيل والتمكين الحقيقي، وكذلك فإن القطاع الخاص لا ينبغي أن يبقى على هامش هذه الشراكة، بل أن يُسهم بفعالية في استيعاب الكفاءات الوطنية، من خلال تحمّل مسؤولياته الاجتماعية، وتفعيل برامجه التدريبية والمهنية، والانخراط في بناء فرص عمل حقيقية تُعزز من التوازن الاقتصادي وتقلل الاعتماد على التوظيف الحكومي، وعندما نتحدث عن القطاع الخاص، فإننا لا نعني الشركات الصغيرة التي لا يتجاوز نشاطها حدود تأمين قوت يومها، بل نعني الشركات الكبرى، والمصانع، ومشاريع الاستثمار الأجنبي، التي تمتلك الموارد والقدرة والمسؤولية لأن تكون طرفًا فاعلًا في تحقيق التنمية الوطنية، كما يجب إشراك المجتمع بكامل مكوّناته: الأسر، المؤسسات الأهلية، ووسائل الإعلام، لإعادة بناء ثقافة عمل وطنية جديدة، تُوسع أفق الشباب، وتعيد ثقتهم بأن فرصهم لا تقتصر على الوظيفة الحكومية، بل تمتد إلى ريادة الأعمال، والعمل الحر، والاقتصاد المعرفي، أما الباحثون عن العمل، فلا يجب أن يُنظر إليهم كضحايا أو متلقين سلبيين، بل كشركاء حقيقيين في الحل، وأصحاب تجربة ومعاناة ومعرفة ميدانية، فالاستماع إليهم، وتضمين آرائهم، والاستفادة من مقترحاتهم، يمثل خطوة محورية نحو بناء سياسات نابعة من الواقع لا مفروضة عليه، ولن يتحقق كل ذلك من دون استخدام ذكي وفعّال للبيانات، فالأرقام التي يصدرها المركز الوطني للإحصاء والمعلومات لا يجب أن تُعامَل كجداول سنوية تُزيّن التقارير، بل كأدوات تحليل استراتيجي عميق تُوظّف في قراءة الاتجاهات، وصناعة القرار، وتوجيه الموارد نحو الأولويات الوطنية.
وختامًا، فإن من أراد إصلاح الحاضر، فعليه أن يُعيد التوازن بين الكفاءة والمسؤولية، وبين الحلم الوطني والتشريعات التي تصنعه، وبين الطاقات الصاعدة والأنظمة التي ينبغي أن تُمهّد لها الطريق، فالوطن حين يحتضن أبناءه، يمنحهم القدرة على النهوض، ويمنح ذاته فرصة للبقاء قويًا، منتجًا، متماسكًا، لا تهزّه الأزمات ولا تنال منه الفجوات، فاحتضان الطاقات ضرورة وجودية، وبوصلة تنموية لا بد أن تُعاد معايرتها.



























