الصحوة – الدكتورة نور بنت حمد العمراني
طبيب اختصاصي طب أسرة
في بداية كل مسيرة مهنية، يدخل الإنسان إلى عمله محمّلًا بالشغف والطموح والرغبة في الإنجاز، إلا أن هذا الشغف قد يتراجع تدريجيًا عندما تستمر ضغوط العمل لفترات طويلة دون وجود توازن أو دعم كافٍ، ليصل الموظف إلى مرحلة من الإرهاق النفسي والجسدي تُعرف بالاحتراق الوظيفي.
ومن منظور طبيب الأسرة، يُعد الاحتراق الوظيفي من القضايا الصحية المهمة التي لا تقتصر آثارها على مكان العمل فحسب، بل تمتد لتؤثر في الصحة النفسية والجسدية، والعلاقات الأسرية، وجودة الحياة، والإنتاجية. لذلك، لا ينبغي اعتباره ضعفًا في الشخصية أو قلة في القدرة على تحمل المسؤولية، وإنما هو استجابة طبيعية للتعرض المستمر لضغوط مهنية لم تتم إدارتها بصورة صحيحة. وقد صنفت منظمة الصحة العالمية الاحتراق الوظيفي كظاهرة مرتبطة ببيئة العمل تنتج عن ضغوط مهنية مزمنة لم تُدار بنجاح.
وتزداد احتمالية الإصابة بالاحتراق الوظيفي مع تراكم الأعباء، وساعات العمل الطويلة، وغموض الأدوار الوظيفية، وضعف المشاركة في اتخاذ القرار، وقلة التقدير، وغياب الدعم الإداري، إضافة إلى صعوبة تحقيق التوازن بين متطلبات العمل والحياة الشخصية.
وتبدأ الأعراض غالبًا بصورة تدريجية، فيشعر الموظف بإرهاق مستمر لا يتحسن بالراحة، مع انخفاض الحماس والدافعية، وضعف التركيز، واضطرابات النوم، وسرعة الانفعال، والشعور بتراجع الإنجاز. وإذا استمرت هذه الحالة دون تدخل، فقد تزيد احتمالية الإصابة بالقلق أو الاكتئاب، كما ترتفع معدلات الأخطاء المهنية والغياب عن العمل، مما ينعكس سلبًا على الفرد والمؤسسة معًا.
ومن الجوانب التي تستحق اهتمامًا أكبر، الموظفون الذين يؤدون أعمالهم في مناطق بعيدة عن مقر سكنهم أو أسرهم؛ فالتنقل اليومي لمسافات طويلة أو الغربة عن الأسرة يضيفان عبئًا نفسيًا وجسديًا قد لا يكون ظاهرًا للآخرين، لكنه يؤثر بصورة مباشرة في جودة الحياة والأداء الوظيفي. ومن هنا تبرز أهمية مراعاة هذه الفئة عند إعداد جداول العمل، وتوزيع المناوبات، ومنح المرونة كلما أمكن، بما يحقق التوازن بين مصلحة العمل وصحة الموظف.
إن الوقاية من الاحتراق الوظيفي مسؤولية مشتركة بين الموظف والمؤسسة. فالاهتمام بالنوم الكافي، وممارسة النشاط البدني، وتنظيم الوقت، وطلب الدعم عند الحاجة، يقابله دور الإدارة في بناء بيئة عمل قائمة على العدالة، والتقدير، والتواصل الفعّال، والتوازن في توزيع الأعباء، وتعزيز ثقافة تحترم الصحة النفسية وتدعمها.
وفي النهاية، يبقى الإنسان هو رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة. فالإنجاز المستدام لا يتحقق بزيادة ساعات العمل أو الضغط المستمر، وإنما ببيئة عمل صحية تؤمن بأن الاهتمام بالإنسان هو أساس النجاح. وعندما نحافظ على صحة الموظف النفسية والجسدية، فإننا لا نحمي فردًا واحدًا فحسب، بل نستثمر في مؤسسة أكثر استقرارًا، ومجتمع أكثر صحة وإنتاجية.


























