الصحوة – عبدالفتاح الصناعي
تعيد عُمان اليوم رسم ملامح العالم، لا بالقوة ولا بالضجيج، بل بالثقافة والحوار، وبالاهتمام بالإنسان وروحه قبل المادة ومصالحها.
في جولة تاريخية، مضى حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله – من عاصمة الثقافة العالمية، باريس، حيث تتجسد رسالة اليونسكو وقيم الفكر والفنون، إلى عاصمة الدبلوماسية الدولية، لندن، إحدى أكثر العواصم تأثيرًا في صناعة القرار العالمي.
كان جلالته يبحر في محيطين متلازمين: محيط الثقافة ومحيط السياسة، دون أن يفصل بينهما؛ لأن عُمان تؤمن بأن السياسة حين تنفصل عن الثقافة تفقد حكمتها، وأن الثقافة إذا ابتعدت عن السياسة تتحول إلى أفكار نبيلة لا تجد طريقها إلى الواقع. ولهذا جاء السلطان إلى هذه العواصم بندية الواثق، حاملًا رؤية حضارية متكاملة تتعانق فيها الثقافة مع السياسة، وتتكامل فيها الحكمة مع الدبلوماسية، ليؤكد أن عُمان لا تحضر في المحافل الدولية بوصفها متلقية للأحداث، بل شريكًا في صياغة الأفكار وبناء التفاهمات واستشراف مستقبل يقوم على الحوار والاحترام المتبادل والسلام.
وليس هذا النهج وليد اللحظة؛ فجلالة السلطان هيثم بن طارق يحمل تكوينًا ثقافيًا عميقًا سبق توليه مقاليد الحكم، فقد قاد وزارة التراث والثقافة لسنوات طويلة، مؤمنًا بأن الأمم التي تصون ذاكرتها الحضارية هي الأقدر على صناعة مستقبلها. ولذلك لم تكن الثقافة في عهده قطاعًا حكوميًا فحسب، بل أصبحت ركيزة في فلسفة الحكم، تتجلى في الاعتدال والحكمة والانفتاح المسؤول على العالم.
ومن باريس، أمام العالم وفي رحاب اليونسكو، حملت عُمان رسالة تتجاوز حدود السياسة التقليدية، لتخاطب الإنسان المعاصر الذي أنهكته المادية وتسارع التكنولوجيا، في عالم يتقدم فيه الذكاء أحيانًا على القيم والأخلاق. وقدمت نموذجًا يؤمن بأن الحوار والتسامح وصون التراث ليست شعارات ثقافية، بل أسسًا لبناء مستقبل أكثر توازنًا واستقرارًا.
ثم انتقلت الرسالة إلى لندن، حيث اكتسبت الزيارة بُعدًا دبلوماسيًا وحضاريًا مهمًا، وشهدت لقاءات رسمية مع كبار المسؤولين، ويعكس ذلك المكانة التي تحظى بها عُمان وعلاقاتها التاريخية المتينة مع المملكة المتحدة، ويفتح آفاقًا لحوار أوسع يجمع بين الثقافة والدبلوماسية في خدمة السلام والاستقرار.
ويبرز في هذا السياق تقارب لافت في التكوين الثقافي بين السلطان هيثم بن طارق والملك تشارلز، إذ ينتمي كلاهما إلى خلفية ترى في الثقافة والتراث والحوار بين الحضارات عنصرًا أساسيًا في بناء الدور السياسي للدولة. فالملك تشارلز يُعرف باهتمامه الممتد بقضايا البيئة، والحفاظ على التراث المعماري، ودعم الحوار بين الأديان والثقافات، إلى جانب حضوره في النقاشات الفكرية ذات الطابع الإنساني. وفي المقابل، يحمل السلطان هيثم بن طارق تكوينًا ثقافيًا عميقًا ارتبط بإدارته السابقة لقطاع التراث والثقافة، وانعكس لاحقًا على توجهات السياسة العُمانية القائمة على التوازن، والانفتاح المسؤول، وتقديم الحوار كأداة رئيسية في العلاقات الدولية. هذا التقاطع في الخلفية الثقافية يمنح العلاقات بين الجانبين بُعدًا يتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي إلى مساحة أوسع من التفاهم الحضاري.
وهكذا لم تكتفِ عُمان بجعل الثقافة عنوانًا لخطابها، ولا السياسة أداةً لإدارة المصالح، بل نسجت بينهما مشروعًا حضاريًا متكاملًا يجعل من القيم أساسًا للدبلوماسية، ومن الحوار طريقًا للأمن، ومن التراث منطلقًا لاستشراف المستقبل. إنها رؤية تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه غاية السياسة، لا مجرد وسيلة فيها، وتؤكد أن الحضارة الحقيقية تُبنى حين تتكامل الحكمة السياسية مع العمق الثقافي، وتلتقي الأخلاق مع المصلحة العامة.
ومن باريس، عاصمة الثقافة العالمية، إلى لندن، عاصمة الدبلوماسية الدولية، رسمت عُمان لوحة حضارية متناسقة الألوان، امتزجت فيها الثقافة بالسياسة، والأخلاق بالدبلوماسية، والحكمة بالفعل. إنها رسالة تتجاوز حدود الزيارات الرسمية لتقدم نموذجًا يؤكد أن أمن العالم لا يُبنى بالقوة وحدها، بل يُبنى أيضًا بالثقة والحوار والوعي الحضاري والاحترام المتبادل. وبهذه الرؤية الواثقة تواصل عُمان، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله – الإسهام في تعزيز الحضور الحضاري والثقافي في المشهد الدولي، وترسيخ نموذج يجعل السلام ثمرةً للأخلاق، والدبلوماسية امتدادًا للثقافة، والمستقبل شراكةً بين الأمم لا ساحةً للصراع بينها.



























