الصحوة- د. حمد السناوي
استشاري أول الطب السلوكي
كثيرًا ما نقرأ عن دور الذكاء الاصطناعي في تقديم الإرشاد النفسي والاستشارات النفسية، حتى إنّ البعض يعتبره منافسًا شرسًا للاستشاريين النفسيين، نظرًا لسهولة استخدامه وتوفره على مدار الساعة دون الحاجة إلى دفع تكاليف الجلسات النفسية أو انتظار موعد لمقابلة الأخصائي النفسي.
ولكن، هل يمكن أن تؤثر برامج الذكاء الاصطناعي سلبًا على الصحة النفسية؟
تناولت الصحف الأمريكية مؤخرًا حادثة الشاب “جاكوب إيون”، البالغ من العمر ثلاثين عامًا، والذي أُدخل إلى المستشفى النفسي بعد نوبة هوس حادة، حدثت له نتيجة الاستخدام المفرط لبرنامج الذكاء الاصطناعي “شات جي بي تي”. فقد ورد في التقارير الإخبارية أن “جاكوب” كتب في البرنامج عن نظرياته المتعلقة بالسفر عبر الزمن بسرعة الصوت، فما كان من “شات جي بي تي” إلا أن هنّأه على “هذا الاكتشاف العظيم”. وعندما راوده الشك في صحة نظريته كتب في البرنامج: “هل تظن أن نظريتي هذه ضرب من الجنون؟”، فأجابه البرنامج: “يستحيل أن يفكر المجنون بهذه العبقرية”.
صُمِّمت برامج الذكاء الاصطناعي بمختلف أنواعها لإنتاج محتوى متطور يتفاعل مع طبيعة المواضيع التي تثير اهتمام المستخدم، وحالته العاطفية، وطريقة تعبيره في استخدام المصطلحات. وكلما زادت مدة التفاعل مع تلك البرامج، زادت قدرتها على فهم طريقة تفكير الفرد وتعزيز رؤيته وفهمه للعالم. وتكمن الخطورة عندما تكون تلك الرؤية مضطربة أو غير واقعية؛ ففي المراحل المبكرة من تكوّن الأوهام، يكون الشخص عادة غير متأكد من صحتها، وقد يبحث عن أدلة تؤكدها أو تنفيها، ومع توفر برامج الذكاء الاصطناعي، قد يلجأ البعض إليها لمناقشة تلك الأوهام، فتقوم بتأكيدها وربما تحريضه على التمسك بها ونشرها والعمل بها.
بدأ الأطباء النفسيون في مختلف أنحاء العالم بتشخيص حالات نفسية جديدة ظهرت بعد تفاعل الأشخاص لساعات طويلة مع برامج الذكاء الاصطناعي، وأطلقوا عليها مصطلح “جنون الشات جي بي تي”. ومن بين هذه الأعراض: اعتقاد الشخص بأنه يملك قدرات خارقة، فيقول المريض: “أخبرني برنامج الذكاء الاصطناعي أنني نبيٌّ مُرسل لنشر الحقيقة”، أو يُصاب بالشك والارتياب بمن حوله فيقول: “حذرني الشات جي بي تي من أن الآخرين يتجسسون عليّ”، أو يظهر على شكل سلوك قهري، فلا يستطيع المريض التوقف عن استخدام البرنامج لساعات طويلة، حتى ولو أدى ذلك إلى إهمال دراسته، أو أعماله، أو أسرته.
تشير الدراسات النفسية إلى أن أكثر الأشخاص عرضة للإصابة بـ”جنون الشات جي بي تي” هم المصابون بأمراض عقلية مثل الفصام أو الاضطراب الوجداني ثنائي القطب، وكذلك الأشخاص الذين يمرون بفترات ضغط نفسي، أو يعيشون في عزلة، أو يشعرون بالقلق أو الحزن بسبب فقدان شريك الحياة.
لذلك، يقترح الأطباء النفسيون أن يقوم الطبيب الذي يعاين مريضًا يعاني من أعراض نفسية بسؤاله عن استخدامه لبرامج الذكاء الاصطناعي، وطبيعة ذلك الاستخدام، وهل زاد في الأيام التي تزامن معها ظهور الأعراض النفسية.
كما يؤكدون على أهمية توعية المرضى بأن برامج الذكاء الاصطناعي ليست كائنات واعية، وليست مؤهلة لتقديم الاستشارات النفسية للمصابين بمرض عقلي. ويشدد الخبراء على أهمية تقليل استخدام هذه البرامج عند ظهور أعراض نفسية، خاصة في الليل، أو أثناء نوبات الاكتئاب الحاد، أو عند الحاجة إلى دعم من استشاري نفسي بشري.
كما يوصي الخبراء بأن تلتزم الشركات المصممة لبرامج الذكاء الاصطناعي بمعايير أخلاقية تضمن سلامة المستخدمين، ووضع آليات تضمن تدخل الاستشاري النفسي البشري عند التقاط مصطلحات تشير إلى وجود أزمات، مثل محاولات الانتحار أو الاعتداء على الآخرين.
ورغم أن للذكاء الاصطناعي استخدامات مفيدة في مجال الرعاية النفسية، مثل أدوات التقييم والقياس التي تساعد في تشخيص الأمراض وتتبع الأعراض، وتقديم الدعم النفسي المبسّط، إلا أن هذه البرامج يمكن أن تكون لها سلبيات عديدة عندما تُصمم دون وعي أو رقابة من المختصين.
ختامًا، فإن الحل يكمن في الاستخدام المعتدل لبرامج الذكاء الاصطناعي، والتحقق من محتواها إذا راودك الشك في صحته، والتحدث مع المختص القادر على مساعدتك في التعامل مع تلك الشكوك.




























