الصحوة – علي الحداد
في خاصرة الشرق العُماني، حيث تنحني الجبال وقورًا لتفسح للمجد دربًا، وحيث تفوح من الرمال عبق العصور، هناك تقف ولاية المضيبي، كأغنيةٍ من الزمن العتيق، تترنّم بها الواحات، وتطوف بها القصائد في مواكب السحر والسكينة.
المضيبي .. ليست مجرد اسم على الخارطة، بل ذاكرة وطن، ورحلة ماء، وشاهدة على حضارات صهرتها الشمس، وغسلتها عيون المياه، وحفرت وجودها بين الحصى والفلج والسَّعف، فصارت مرآةً لعُمان حين تتأمل ذاتها.
موطن المسافة والربط .. قلبٌ نابض بين الجهات
هناك، على مسافة ساعتين من مسقط، تنفرج الطرق وتتقاطع الجهات، لتلتقي القوافل عند المضيبي، تلك الولاية التي تبسط جسدها بين ولايات الشمال والجنوب، بين الرمال والجبال، بين إزكي وبدية، بين بدبد وجعلان، لتغدو نقطة تلاقي الأرواح والمراكب والمصائر.
وليس موقعها الجغرافي وحده ما يمنحها الأهمية، بل ما تكتنزه الأرض من صخور الأفيوليت، وما تنبض به الذاكرة من طبقات التاريخ.
قرى كالألحان .. ونبض نياباتها يشبه القصائد
الفتح، والروضة، والخضراء.. ليست قرى فحسب، بل جزر من الشعر تطفو على نهر الزمان، لكل واحدة لحنها الخاص، وميلادها الغابر في العصور.
في الردة، التي كانت تُدعى “صنعاء”، ما تزال قلعتها ومسجدها الوسطي يتناجيان تحت ظل النخيل، كأنهما يهمسان لأجيالٍ لم تأتِ بعد.
وفي الفتح، تصمت الحجارة القديمة وتتكلم، وتلوح ملامح القرية المهجورة “ملاح” كأنها تراتيل منسية، تبحث عن حنجرة تنشدها.
وفي سمد الشأن، يتعالى حصن خزام بجلال نباهنيٍّ عمره 700 عام، وحين تهمس الرياح في جنباته، تسمع أنين الفخار، ووقع الخطى القديمة، وارتداد أصوات تُصلي في محراب الزمن.
الفلج .. حين يغدو الماء شعراً
ما بين السهل والجبل، ينساب الماء في فلج الفرسخي، وبومنين، وفلج الردة، كما ينساب البحر في عين الشاعر. إنها أفلاجٌ لا تروي الأرض فقط، بل تسقي المدى برؤية هندسية عظيمة، ومفهوم للعدالة المائية سابق لعصره.
“الأثمان” تُقسّم الماء، لا بالمال، بل بالوقت والورع. كل مزارع يعرف حصته من الماء كما يعرف نصيبه من الشمس. “وكيل الفلج” ليس مجرد مسؤول، بل قاضٍ يتلو أحكامه من كتاب الغيم والمجاري.
سمد الشأن والميسر .. حين يلتقي النحاس بالدهشة
في الميسر، تنبض الأرض بنبض الصهر والنحاس، حيث أفران برونزية احتضنت المعدن الأحمر، وحيث الأختام الحجرية تشهد على تجارة كانت تعبر البحار نحو السند وبلاد ما بين النهرين.
وفي سمد الشأن، تنام المدافن تحت ترابٍ عطر، وفي أحضانها هياكلُ لجِمالٍ مزينة بقلائد العقيق والصدف، وأوانٍ فخارية كانت تُحمل بحنان في جنازات الآلاف من السنين.
عين الحريد .. والسر الذي تحمله المياه
في حضن الطبيعة، تفيض عين الحريد بمائها المضيء، شفاءً للأجساد وبلسماً للقلوب. حولها تدور الحكايات، وتتوضأ الشفاه من نسغها، وتبتهل العيون أن تدوم. مياهها لم تكن يومًا عادية، بل لغةٌ من لغات الأرض حين تتحدث عن الشفاء والتجدُّد.
من الغزل والنسيج إلى الحلوى .. ومن الرزحة إلى التغرود
في أسواق المضيبي، خصوصًا سوق سمد الشأن، يُطرَز التاريخ بخيوطٍ من حبال النخيل، وسَعف الغاف، وصوت الحرفيين وهم يصوغون أدوات الزراعة، أو يخطّون أسرار الحلوى العُمانية في قدورٍ تتراقص على الجمر، بينما تنبعث روائح الهيل والزعفران.
في الأعياد والمناسبات، تدب الحياة في المشاكيك، وتُنبَش الحفر للشواء، وتُسطَر الأطباق بألوان الرز، ويُدعى الغريب ليكون ضيفًا كما يُدعى القريب.
أما الفنون، فهي سارية تُرفرف في سماء الولاية: الهمبل، العازي، الرزحة، والتغرود، كلُّها تشدو بالحياة كما لو كانت أغنية شعبٍ يعرف أن الجَمال لا يُؤخذ بالقوة بل يُغنّى له.
المضيبي .. التاريخ يُزهِر في ترابها
إنها الولاية التي تجاور التاريخ، بل تُعيد كتابته في كل أثر وحصنٍ ومقام. موقع الغريين، الذي يمتد عمره لخمسة آلاف عام، لا يزال يحفظ صدى قوافل عبرت، وأطياف أجداد بنوا واستراحوا.
وبيت الخبيب، المطل على وادي سمد، يهمس بالحب والبصيرة في جدرانه.
وقلعة الجوابر، والأخضر، وحصن العقير، وبرج وريد، وبيوت.. كلّها شواهد على حضارة لا تنام. وتزدان المضيبي بقرية الخضراء التي تحتفظ بتاريخ عريق يشهد عليه حصونها وأفلاجها الجارية، وتحيط بها بساتين وارفة ظلت مصدر خير وعطاء لأهلها عبر الأجيال.
في الختام .. ليست المضيبي مجرد ولاية، بل هي قصيدة منقوشة في الجغرافيا، وأسطورة تمشي على الأرض. هي حيث يتحدث التراب عن النحاس، والماء عن العدالة، والغيم عن الحنين.
هي حيث تتشابك السعف مع السيوف، وتتعانق الجبال مع الحنين.
فإن مررت بها، فلا تمر مرور الزائر، بل مرّ كمن يعانق ذاكرة وطن، ويُصغي لصوت الماء، ويُقبِّل وجه التاريخ .



























