الصحوة – د. حمد بن ناصر السناوي
استشاري أول الطب السلوكي
س. ع، في الخامسة والخمسين من العمر، تراودها أفكار مزعجة و”سخيفة” تسبب لها القلق باستمرار، رغم قدرتها على مقاومتها. كانت أول فكرة أن ابنتها ليست جميلة ولن يتقدم أحد لخطبتها، وبعد أن تزوجت الابنة، انتقلت الأفكار إلى أنها لن تحمل، وبعد أن سمعت الأم بخبر الحمل، راودتها فكرة جديدة بأن الحفيد المنتظر سيولد مشوهًا أو معاقًا! وعندما ولد الحفيد بصحة جيدة، انتقلت الأفكار إلى أن الإعاقة ستكون ذهنية، وعندما كبر الحفيد ودخل المدرسة ولم تظهر لديه أية إعاقة، تحولت الفكرة إلى أنه سيموت في سن مبكرة. وهكذا، دوامة من الأفكار السلبية التي لا تنتهي.
تشير الأبحاث النفسية إلى أن الشخص العادي يفكر بأكثر من 6000 فكرة يوميًّا، أي ما يعادل حوالي 6.5 فكرة في الدقيقة أثناء اليقظة. وتتراوح هذه الأفكار ما بين قرارات بسيطة، مثل: ما الذي سيأكله؟ وهل سيشرب القهوة في المنزل أو في العمل؟ إلى أفكار أكثر ملاحظة، كأن ينتبه إلى الأشخاص الذين يمرون أمامه في الشارع، وكم منهم يطالع هاتفه وهو يمشي. وأحيانًا يغوص العقل في تساؤلات عميقة تتعلق بالحياة والكون وتطور البشرية، كأن يتساءل الفرد: كيف تطورت الحضارات؟ وهل تمت تسمية البرتقال قبل اللون البرتقالي أم بعده؟
وأحيانًا تتمحور الأفكار حول الأهداف والطموحات الشخصية، مثل الزواج أو التفوق في الدراسة أو العمل. بعض هذه الأفكار تكون واعية ومتعمدة، يدرك الشخص وجودها، خاصة عند اتخاذ القرارات أو التركيز على قضايا معينة، بينما تظهر أفكار أخرى بشكل تلقائي من العقل الباطن، دون هدف واضح.
كما توجد ما يسمى بـ”الأفكار التطفلية” المزعجة وغير المرغوبة، ويواجهها معظم الناس بين الحين والآخر، خاصة في لحظات الفراغ أو أثناء قيادة السيارة لساعات طويلة. وهي لا تمثل ضررًا في العادة، لكن عندما تصبح متكررة وتستحوذ على تفكير الفرد وتمنعه من الانشغال بأمور الحياة الأخرى، فإنها قد ترتبط باضطرابات نفسية، مثل القلق والاكتئاب ومرض الوسواس القهري، الذي تقترن فيه الأفكار بسلوك قهري، كأن يشك الفرد في نظافة يديه فيغسلهما مرارًا وتكرارًا حتى يتشقق الجلد، أو يقضي وقتًا طويلًا في الاستحمام فيتأخر عن عمله.
كيف ينبغي أن تتعامل مع الأفكار التطفلية؟
عندما تظهر فكرة تطفلية، يحاول الكثيرون مقاومتها أو قمعها، لكن هذا غالبًا ما يؤدي إلى مزيد من التوتر والقلق، لأنه يرسل إشارة إلى الدماغ بأن هذه الأفكار خطيرة أو ذات مغزى.
وبدلًا من ذلك، يقترح علماء النفس أن تعترف بوجود هذه الأفكار دون أن تمنحها أهمية زائدة؛ فهي ليست ضارة بحد ذاتها، ولا تعكس شخصيتك أو نواياك، وإنما هي مجرد أحداث ذهنية عديمة المعنى. لذا، اقبل وجود هذه الأفكار دون إصدار حكم، ثم أعد تركيزك إلى ما كنت تفعله. هذا التوجه يساعد على تدريب الدماغ على رؤية هذه الأفكار على أنها غير مؤذية، مما يسمح لها بالمرور دون التأثير على مشاعرك أو سلوكك.
وإذا استمرت الفكرة في العودة، فقم بتحديها باستخدام المنطق، عبر طرح أسئلة على نفسك، مثل: “هل هذه الفكرة مفيدة أو حقيقية؟” أو “ماذا كنت سأقول لصديق لديه هذه الفكرة؟” هذه الطريقة ستُضعف القوة العاطفية للفكرة، فيبدأ دماغك في التعلم بأنها ليست خطيرة. وإذا ما استمرت هذه الأفكار، فيمكنك استشارة الطبيب النفسي الذي سيقوم بتشخيص الحالة ووصف العلاج المناسب.



























