الصحوة : علي الحداد
احتلال غزة ليس مجرد مشهد عسكري محدود الزمان والمكان، بل هو حدث تتشابك فيه الحسابات السياسية والأمنية والعسكرية والدبلوماسية والإنسانية على نحو يجعل مرحلة ما بعد الاجتياح أخطر من لحظة الدخول نفسها. فالقرار الإسرائيلي بالاجتياح الكامل ليس وليد نزوة عاطفية أو رغبة في الانتقام، بل مقامرة كبرى فرضتها أزمة داخلية خانقة يعيشها النظام السياسي في إسرائيل، وضغوط متزايدة من عائلات الأسرى، وتآكل صورة الردع، وصراع داخل الائتلاف الحاكم بين من يرى في الحرب مخرجًا شخصيًا، ومن يعتقد أنها قد تكون بداية النهاية. وفي المقابل، يراهن هذا القرار على إعادة صياغة المشهد الفلسطيني والإقليمي، أو على الأقل فرض وقائع ميدانية تمنح إسرائيل موقعًا أقوى في أي مفاوضات لاحقة، ولو كان ذلك على حساب الاستقرار البعيد المدى.
من الناحية العسكرية، قد تتمكن إسرائيل من دخول غزة عبر سيطرة نارية كثيفة واقتحام محاور متعددة، لكن القدرة على الدخول لا تضمن القدرة على البقاء. فالمعركة في بيئة حضرية معادية تقلب ميزان القوة التقليدي، وتحول كل شارع وحي إلى ساحة استنزاف، حيث المقاومة اللامركزية والفخاخ والكمائن والعبوات تجعل الجيش يستهلك موارده في حماية نفسه أكثر مما يحقق أهدافه. ومع مرور الوقت، تتحول القوات من مهاجم يمتلك زمام المبادرة إلى حارس غارق في تفاصيل أمنية مرهقة، بينما تزداد خطوط الإمداد هشاشة، ويصبح أي إنجاز تكتيكي مجرد حلقة في سلسلة صراع مفتوحة.
القانون الدولي يفرض على القوة المحتلة مسؤوليات واضحة تجاه المدنيين، تشمل توفير الغذاء والماء والرعاية الصحية والتعليم. وأي إخلال ممنهج بهذه الالتزامات، أو ارتكاب تهجير قسري، يتحول إلى مادة صلبة للملاحقة القضائية أمام محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية، خصوصًا أن هاتين المؤسستين تنظران بالفعل في قضايا ضد إسرائيل على خلفية اتهامات بالإبادة وجرائم الحرب. ومع تزايد الصور والشهادات التي توثق المعاناة، يشتد الضغط على الحكومات الغربية، ويتزايد ميل الرأي العام العالمي لفرض قيود أو إعادة النظر في الدعم الممنوح لإسرائيل.
على الصعيد الدبلوماسي، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة صعبة. الإدارة الأمريكية الحالية تخشى أن تتحول صور المجاعة والدمار في غزة إلى عبء انتخابي داخلي، ما قد يدفعها إلى فرض قيود أو شروط على تسليم الأسلحة، أو على الأقل إبطاء الدعم العسكري المباشر. أما أوروبا، فقد دخلت في مسار متسارع نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية؛ إذ انضمت دول مثل إسبانيا، أيرلندا، النرويج، وسلوفينيا في عام 2024 إلى قائمة طويلة تضم دولًا اعترفت منذ عام 1988، مثل بولندا، المجر، التشيك، سلوفاكيا، بلغاريا، رومانيا، قبرص، ومالطا، إضافة إلى السويد التي كانت أول دولة من الاتحاد الأوروبي تقدم على هذه الخطوة في 2014. كما أعلنت فرنسا ومالطا عزمهما إتمام الاعتراف رسميًا خلال سبتمبر 2025، فيما تدرس بريطانيا وبلجيكا اتخاذ القرار في توقيت سياسي محسوب. هذا التحول في الموقف الأوروبي يعكس تغيرًا في المزاج السياسي الغربي، وقد يتسارع إذا ترافق الاحتلال مع تهجير واسع أو انتهاكات جسيمة، ما يضع إسرائيل أمام جبهة دبلوماسية أكثر صرامة.
الإقليم نفسه لن يبقى هادئًا؛ فالجبهة الشمالية مع حزب الله مرشحة لزيادة وتيرة الاشتباك ولو ضمن سقف محدد، واليمن قد يعود لاستخدام ورقة البحر الأحمر لتعطيل الملاحة، فيما تظل مصر والأردن على أهبة الاستعداد لمنع أي موجات نزوح واسعة أو انهيار أمني على حدودهما. هذا التشابك الإقليمي يضاعف من كلفة الاحتلال، لأنه يهدد بفتح جبهات متزامنة، حتى لو بقيت كل واحدة منها دون مستوى الحرب الشاملة.
مرحلة ما بعد الاجتياح تحمل بدورها معضلات معقدة. الإدارة الإسرائيلية المباشرة ستجعل الجيش في مواجهة دائمة مع السكان، وتفتح الباب أمام مقاومة مستمرة. تشكيل إدارة مدنية بديلة خاضعة للاحتلال سيفقدها شرعيتها سريعًا، ويجعلها هدفًا مباشرًا للعمل المسلح. أما الترتيب الدولي أو العربي الانتقالي بإشراف أممي على المساعدات والخدمات، فهو السيناريو الوحيد القادر على تخفيف الكلفة، لكنه يتطلب تنازلات سياسية لا يبدو أن الحكومة الإسرائيلية الحالية مستعدة لتقديمها.
وفي موازاة المعركة الميدانية، هناك معركة السردية التي قد تكون أخطر على المدى الطويل. كل صورة من غزة، كل شهادة من ناجٍ، كل مشهد لمجاعة أو تهجير، يتحول إلى ذخيرة سياسية وإعلامية ضد إسرائيل، ويعيد تعريف الصراع في الوعي العالمي باعتباره قضية تحرر وحقوق إنسان، لا مسألة أمنية محلية. هذا التآكل في شرعية القوة، مع مرور الوقت، يخلق بيئة دولية أكثر استعدادًا لفرض عقوبات أو تقليص نطاق التعاون مع تل أبيب.
السيناريوهات المحتملة تتراوح بين حسم عسكري سريع يتبعه انسحاب وهو خيار يبدو أقرب للنظرية منه للواقع وبين احتلال طويل منخفض الكثافة يستهلك موارد إسرائيل ويعزلها دبلوماسيًا، أو تصعيد إقليمي يجرّ المنطقة إلى إعادة تشكيل تحالفاتها وخطوط تماسها. وفي جميع هذه السيناريوهات، يبقى الثابت أن دخول غزة أسهل بكثير من الخروج منها، وأن أي محاولة لبناء أمن طويل الأمد عبر القوة وحدها محكومة بالفشل ما لم تقترن بمسار سياسي يعترف بالحقوق الفلسطينية ويحفظ كرامة المدنيين، لأن هذه الكرامة ليست تفصيلًا إنسانيًا بل حجر الأساس لأي استقرار حقيقي .



























