الصحوة – سيف بن حمد الجرادي
التافهون كالشمس في كبد السماء، يملؤون الأفق بضياءٍ زائف، بينما العيون المبهورة لا تدرك الفارق بين نور الحق وظلام الوهم، فلم يعد المشهد كما كان قبل عقود، حين كانت القيم الراسخة، وسعة المعرفة، والعمل الجاد هي البوصلة التي تحدد مكانة الإنسان في المجتمع، فكانت القدوة هي المعلم الذي يغرس الحكمة، والمربّي الذي يبني الأخلاق، والعالم الذي يفتح أبواب الفهم، والمبتكر الذي يضيف للحياة معنى جديدًا، والقائد الذي يحمل البوصلة، أما اليوم، فقد تبدّلت البوصلة وصار بريق الشهرة اللحظية أقوى من ضوء المنجز الحقيقي، وغدت منصات التواصل تصنع رموزًا من فراغ، تلّمع للحظة ثم تنطفئ، تاركةً خلفها جمهورًا مبهورًا لا يسأل عن الجوهر، بل عن عدد المتابعين، وفي أحدى أيام معرض الكتاب، رأيت موقفا استوقفني، كيف كان التلاميذ يتهافتون على شراء كتب بعض مشاهير المنصّات، لا لأنهم قرؤوا مضمونها أو وجدوا فيها ما يستحق، بل لأن الغلاف يحمل اسمًا لامعًا على “إنستغرام” أو “تيك توك”، والأسوأ أن بعض المعلّمات، اللاتي لا يفقهن من التعليم إلا ما تقتضيه الوظيفة، كنّ يطلبن من طلابهن شراء هذه الكتب بناءً على ألوان أغلفتها لا محتواها، ويلتقطون الصور مع نشطاء وسائل التواصل ويأخذن التوقيع على الاصدار فيقلّدهن الطلاب باعتبارهن قدوة، وهكذا نزرع في العقول الناشئة معيارًا معكوسًا للنجاح، يتحوّل فيه صاحب القيمة إلى مجرد عدسة تافهة في وسائل التواصل، وفي إحدى برامجي التدريبية بالمدارس، حين كنت أقدّم موضوعا عن “مهارات القرن الحادي والعشرين”، سألتني إحدى الطالبات سؤالًا ظننت أنه عن محتوى البرنامج، فإذا بها تسأل: “كم عدد متابعيك على إنستغرام؟”، لحظة صادمة أدركت فيها أن مقاييس القدوة باتت تُقاس بالمؤشر الأزرق وعدد الإعجابات، لا بما يقدمه المرء من فكر أو أثر.
نبّه المفكر مالك بن نبي منذ عقود إلى أن مشكلة العالم الإسلامي ليست في “قلة الموارد”، بل في “قابلية الاستعمار” التي تبدأ من ضعف الفكرة وغياب المعنى، مما يجعل المجتمع يبحث عن الشهرة قبل المضمون، وقال ذات مرة: الأمم المنحطّة تعظّم التفاهات”، وكأنها نبوءة ثقافية تتجسّد اليوم أمام أعيننا، ويضيف الفيلسوف الفرنسي فيزون أن أخطر ما يمكن أن يواجهه أي مجتمع هو أن تصبح “المعايير” انعكاسًا لذوق الجماهير اللحظي، لا لحقائق الأشياء أو قيمتها الفعلية، لأن هذا المسار يحوّل التعليم والإبداع والفن إلى أدوات لإرضاء المزاج العام، لا لبناء وعي مستدام، ولعلّ ما ذهب إليه الروائي كارلوس زافون في سلسلة “مقبرة الكتب المنسية” يلامس واقعنا حين كتب: لن يفنى العالم بسبب قنبلة نووية، كما تقول الصحف، بل بسبب الابتذال والإفراط في التفاهة التي ستحوّل العالم إلى نكتة سخيفة، بين هذه الرؤى الثلاث، نطلّ على عصر تغيّرت فيه معايير القدوة والقيادة، وصارت المنصّات الرقمية تصنع وجوهًا من ضوء العدسات، تلمع للحظة ثم تختفي، تاركةً وراءها فراغًا أكبر من الحضور الذي أحدثته.
القيادة روح العمل وعموده الفقري، إلا أنه في زمن الصورة تراجعت المعاني العميقة للعمل القيادي أمام بريق المشهد، وغابت روح التكليف وحضر استعراض التكلّف، فلم تعد بعض القيادات ترى في مواقعها تكليفًا ومسؤولية، بقدر ما باتت تتعامل معها كمنصة عرض شخصي، تُسلَّط عليها الأضواء وتلاحقها العدسات في كل حركة وسكون، صار المشهد مألوفًا: قائد تحيط به عدسات التوثيق في كل جولة، وتُصاغ حوله عبارات الثناء على كل خطوة، وكأن حضوره حدث استثنائي يستحق الاحتفاء بذاته لا بنتائجه، يحرص هؤلاء على بناء صورة ذهنية إيجابية متقنة الإخراج، حتى ليبدو كل ما يقومون به من صميم أعمالهم وكأنه منّة أو إنجاز فريد، في حين أنه لا يتجاوز حدود واجباتهم الطبيعية، ومع مرور الوقت، يغدو الاهتمام بالمحتوى أهم من الاهتمام بالنتائج، ويتحول الفعل القيادي إلى طقس بروتوكولي يتكرر بصيغ مختلفة، دون أن يترك أثرًا جوهريًا في الواقع، هذه النزعة نحو صناعة الصورة بدل صناعة التغيير تفرغ القيادة من معناها، وتحوّلها من أداة لقيادة التحولات الكبرى إلى لوحة تزيين للمشهد العام، حيث يصبح الأهم هو “كيف نبدو”، لا “ماذا نحقق”، وهكذا، تتآكل قيمة القيادة الحقيقية أمام زخم المحتوى، ويغدو اللمعان أولوية تتقدّم على البناء العميق الذي لا تلتقطه عدسات الة التصوير، وحين تنشغل القيادة بالصورة على حساب المضمون، لا يتأثر الفرد فحسب، بل تُصاب المؤسسات والمجتمعات بخلل أعمق، إذ يتحوّل الجهاز الإداري إلى مسرح تدور فيه العروض الشكلية بدل أن يكون معملًا لإنتاج الحلول، ويضيع استشراف المستقبل ، وفي هذه البيئة، يترسّخ الوهم بأن التغيير يتحقق عبر الصور والشعارات، بينما الواقع يزداد ترهّلًا، وقد لخّص المفكر مالك بن نبي هذه الحالة حين قال: “لا يقاس غنى المجتمع بكمية ما يملك من أشياء، بل بقدر ما يملك من أفكار” فحين تفرغ القيادة من الأفكار، وتستبدلها باللقطات، فإنها لا تفقد غناها الفكري فحسب، بل تفقد أيضًا قدرتها على قيادة التحوّل، مهما كانت أضواؤها لامعة وعدساتها كثيرة.
لم يسلم مجال التدريب من موجة الانحدار التي طالت كثيرًا من الميادين المعرفية، فمن حيث المبدأ، يُفترض أن يكون التدريب عملية منهجية متكاملة تستند إلى ثلاثة أعمدة رئيسية: محتوى تدريبي أصيل يعكس أحدث المعارف والتجارب، ومدرب يمتلك مزيجًا من الخبرة والمعرفة والمهارة، وبيئة تعلم محفزة قادرة على تحويل الأفكار إلى ممارسات عملية، غير أن الوضع الراهن يكشف عن خلل بنيوي في هذه الأعمدة جميعًا، أولًا، المحتوى تراجع من مستوى إنتاج المعرفة إلى مجرد إعادة تدويرها، إذ صارت كثير من البرامج التدريبية تعتمد على مواد منقولة أو عروض جاهزة من مصادر مفتوحة، تُقدَّم كما هي بلا تمحيص أو تطوير، ثانيًا، المدرب لم يعد في كثير من الحالات ذلك الخبير المتمرس الذي يصقل المهارات ويبني القدرات، بل تحوّل إلى شخصية تعتمد على الحضور الإعلامي أو شهرة في وسائل التواصل، مما جعل معايير الاختيار تميل إلى الجاذبية لا الكفاءة، ثالثًا، بيئة التدريب فقدت دورها كمختبر حقيقي للتجريب والتطبيق، لتتحوّل القاعات إلى منصات استعراض، تغلب عليها الصبغة الترفيهية أو الدعائية، على حساب الأثر التعليمي المستدام، والنتيجة أن العائد الاستثماري للتدريب بات شبه معدوم، فالمدخلات الضعيفة (محتوى متواضع ومدرب غير مؤهل) لا يمكن أن تنتج مخرجات عالية القيمة، خاصة في ظل غياب آليات تقييم جادة، ومع انتشار الدورات السطحية مثل “الطاقة الحيوية” و”الكينونة” ودورات الذات الهزلية أو الألعاب التدريبية بلا أهداف واضحة، انزاحت صناعة التدريب من كونها مشروعًا معرفيًا يهدف إلى التمكين وبناء القدرات، إلى سوق مفتوح للوهم تحكمه قوانين العرض والطلب اللحظي، وتختلط فيه القشور بالجوهر.
لم يعد الانحدار ظاهرة فردية مرتبطة بضعف بعض المدربين، بل أصبح حالة عامة تُعيد تعريف صورة التدريب في الوعي الجمعي، وتحوّل التدريب من كونه أداة استراتيجية لبناء القدرات إلى مجرد نشاط استهلاكي يلهث خلف الأضواء، فاختلطت الجدية بالتسلية، والجوهر بالقشور، حتى غابت رسالة التدريب الحقيقية، وفقدت المنصة التدريبية دورها كمحرك للتغيير وباتت في نظر كثيرين مجرد عرض إعلامي براق، جوهره الوهم الاعلامي.
إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس ضجيج التافهين فحسب، بل صمت العقول التي قبلت أن تكون المتفرج الصامت على مشهد الابتذال، حتى غدا المعيار الجمعي مختطفًا من قبل عدسات لا ترى أبعد من بريقها اللحظي، وإن المجتمعات التي تتخلى عن صرامة المعايير، وتستبدل الجوهر بفوضى التواصل الاجتماعي، تحكم على أجيالها بالعيش في دوامة من الانبهار الفارغ، حيث يتحول التعليم إلى استعراض، والثقافة إلى سلعة، والقدوة إلى مشهد عابر على شاشة هاتف ذكي، ولعلّ ما يلخص الفكرة: المقولة الشائعة “إذا كان الشعب لا يستطيع وضع قمامته في مكانها المناسب، فكيف يمكنه أن يضع الشخص المناسب في المكان المناسب؟” ولعلّ أول خطوات الخلاص تكمن في إعادة بناء الوعي النقدي، وغرس قيم التمييز بين القدوة والتفاهة، وبين العمل المتقن والصخب الفارغ، لأن الأمم لا تُبنى بصفوف من المعجبين، بل بصفوف من العارفين والمثقفين، ولا تنهض بشهرة اللحظة، بل بمنجز يبقى حين ينطفئ الضوء.
حين تنحسر القيم العميقة للعمل القيادي أمام عدسات هواتف المصورين، يصبح المجتمع ساحةً مفتوحة لتكريس التفاهة، حيث يتبدّل المعيار من عمق الأثر إلى حجم الضجيج، وهنا ينشأ جيل و يترسّخ فكر تابع، يُبنى على الهزل والضحك، بدل أن يُؤسَّس على الوعي والنقد والبصيرة، غير أن التغيير الحقيقي لا يبدأ بشعارات رنانة ، بل من داخل المجتمع نفسه، حين يعيد تشكيل وعيه، ويستبدل التفاهة والفوضى، بقدرته على تقييم الجوهر، وحين يدرك أن بناء الإنسان الواعي هو السبيل إلى صناعة القدوة، وترسيخ القيادة الرشيدة، وصون القيم من الابتذال، وكما نبّه مالك بن نبي: “الأمم المنحطّة تعظّم التفاهات”، فإن مواجهة هذا الانحدار تستلزم شراكة واعية بين القيادة والمجتمع، تقوم على نشر ثقافة التفكير النقدي، وإعلاء قيمة العمل الجاد، وتحفيز الإبداع الذي يخدم الناس ويضيف للحياة معنى، حينها، لن نجد للتافهين مكانًا، ولا للمتسلقين من القادة الورقيين موطئ قدم، وسنحمي أجيالنا ونربيهم على الاختيار الحقيقي الصريح ونجنبهم الغزو الفكري الذي تغذيه التفاهة بمختلف مستوياتها، فتستعيد البوصلة اتجاهها، ويعود الضوء ليكشف أوهام التافهين، فلا يجدون لأنفسهم طريقًا إلى وعي الأمة.



























