الصحوة : علي الحداد
يا ظفار البهية، يا صلالةُ التي تتمايل في حُلّة خضراء كأنكِ فردوسٌ معلّق على كتف البحر، وتُعانقك الجبالُ في سكينة المهابة، ويهتف الغيم على قممك كأنه مؤذّن الفرح العظيم .. ها أنتِ اليوم تكتبين فصلاً آخر من كتاب المجد، وتفتحين صفحةً ناصعة بقدوم السيدة الجليلة عهد بنت عبد الله البوسعيدية – حرم مولانا السلطان هيثم بن طارق المعظم – أيّدها الله وحفظه.
قدومٌ يليق بالعظماء، ويشبه إشراقة الصبح حين يتناثر على الوجوه ضياء، حضورٌ يتجاوز حدود البروتوكول ليغدو رمزاً للوفاء، ووشاحاً من المهابة والرقي يلتفّ حول المكان، فيزيده بهاءً على بهائه، وجمالاً على جماله.
وما إن حلّت السيدة الجليلة، حتى غدت صلالة عروساً تُزفّ إلى قدرها، فانسكب الغيث دموعاً من فرح، وتعانقت نسائم الخريف مع ابتسامتها في حوارٍ صامت، ارتجف له المكان طرباً وامتلأ به الزمان حياة.
الطيورُ صدحت في الأعالي كجوقةٍ سماويةٍ تمجّد اللحظة، والأشجارُ انحنت بأغصانها كمن يُقدّم التحية لسيدةٍ تمشي على بساط القلوب.
وفي تلك اللحظة، انفتحت في ربوع ظفار أخاديد الاستبشار، كأنها أنهار ضوءٍ تنبع من القلوب وتفيض في الأرجاء، تبشّر بميلاد عهدٍ جديد، فيزداد المكان إشراقًا على إشراق.
الأطفالُ لوّحوا بقلوبهم قبل أيديهم، والنساءُ أبصرن في ملامحها وجهَ الأصالة والحنان، أما الشيوخ فرفعوا الدعاء في خشوع، وقد أضاءت وجوههم ملامح الطمأنينة.
وفي رحاب سهول وجبال وروابي ظفار، تمضي السيدة الجليلة بخطى منسابة كنسيم الخريف، توزّع التحية على الكبير والصغير، وتزرع بابتسامتها لغةً من المحبة الصافية الصادقة، تُنصت لها القلوب قبل الآذان.
كأن ظفار بأسرها صار ميداناً للوفاء، يلتقي فيه الجيل بالجيل، ويختصر فيه الحاضرُ والماضي مسافات الزمن الطويل.
في حضورها تبدّلت لغة الأشياء .. الغيم صار قصيدة، المطر ترتيلاً، الجبال مخطوطاً حجرياً يدوّن تاريخ الوفاء. لقد أقامت ظفار عرساً روحياً لا يُشبه إلا ذاته، حيث الطبيعةُ شاهدٌ، والإنسانُ محتفل، والروحُ منشدة.
ولم يكن المشهد إلا مرآةً لعلاقةٍ أعمق .. علاقة القيادة بالشعب، والوطن بالإنسان. إن السيدة الجليلة ليست فقط قرينةً لسلطانٍ يقود النهضة المباركة، بل هي في ذاتها وجهٌ ناصع للعطاء، ورايةٌ خفّاقة للرقي، وظلٌّ وارف يحنو على أبناء عُمان كافة.
وهكذا، خطّت صلالة في سجلّها ذاكرةً خالدة، تُزهر مع كل نسمة خريف وتُتلى مع كل قطرة مطر. ستبقى محافظة ظفار شاهداً على هذه الزيارة الميمونة، وسيبقى الدعاء معلقاً في سمائه .. أن يحفظ الله السيدة الجليلة بعينه التي لا تنام، وأن يمدّ في عمر حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم، ليظلّا معاً نبراساً مضيئاً، ومصدراً متجدداً للنهضة والرفعة والازدهار .




























