الصحوة – هاجر البلوشية
كان باسل يدخل إلى مكتبه كل صباح، يحمل في خطواته إيقاعًا مألوفًا، وفي عينيه نظرة تجمع بين الرضا المهني والفراغ الداخلي، لم يكن ساخطًا على عمله، بل على الإطار الذي يُحاصر هذا العمل، شركته التي تعمل في مجال الخدمات الرقمية كانت تُدار كما تُدار آلة ضخمة، بكفاءة عالية، لكن بلا نبض.
كل فكرة تمر عبر خطوات، تفحص، تقيَّم، تعاد صياغتها، ثم تعلّق، قبل أن ينظر في إمكانية تحريكها، وكأن الإبداع يحتاج إذنًا، وكأن المبادرة تهدد النظام، الجميع ينفذ، لا أحد يجادل، الاجتماعات تعقد لأن النظام يقول ذلك، والتقارير تكتب لأن الهيكل يطلبها، أما الحماس، فكان شيئًا يولد في الخارج، ولا يجد طريقه إلى الداخل.
كان باسل يرى أن هذا الشكل من الإدارة لا يعاني من نقص في التنظيم، بل من فائض في السيطرة، وأن المشكلة ليست في غياب الكفاءة بل في غياب الثقة، فالمؤسسة التي لا تثق بموظفيها، تحوّلهم إلى أدوات، وتطفئ فيهم شرارة التفكير، وتحاصرهم في جدران الصمت الإداري.
في أحد الأيام حضر مؤتمرًا إداريًا دوليًا بدافع الفضول لا الحماسة، وهناك استمع إلى محاضرة عن نموذج التشغيل الأفقي، نموذج لا يلغي القيادة بل يعيد تعريفها، لا يوزع السلطة فقط بل يحررها من موقعها، ويمنحها شكلًا جديدًا (التأثير، التمكين، الثقة).
عاد باسل من المؤتمر لا يحمل خطة بل يحمل سؤالًا، ماذا لو جرّبنا هذا النموذج؟ لا كنظرية بل كممارسة، لا كهيكل بل كعقلية، بدأ بتجربة صغيرة، شكل فريقًا من خمسة موظفين من أقسام مختلفة ومنحهم مشروعًا، وسحب منهم المدير وترك لهم المساحة، وراقب من بعيد.
في البداية، ارتبك الفريق، الحرية كانت غريبة، والمسؤولية ثقيلة ولكن شيئًا فشيئًا، بدأت الأفكار تظهر، وبدأت الاجتماعات تتحول من عروض إلى نقاشات، من تنفيذ إلى تفكير، من خوف إلى فضول، كان هناك شيء جديد يتحرك، ليس في المشروع فقط، بل في الفريق.
بعد شهر، أنجز الفريق المشروع بجودة عالية وفي وقت قياسي، لكن الأهم من ذلك أنهم أنجزوه بشغف، وشعورا بالملكية، وبدأ الآخرون يسألون ما الذي تغيّر؟ لماذا أنتم مختلفون؟ قرر باسل توسيع التجربة، أنشأ فرقًا متعددة التخصصات، ألغى التقارير الطويلة، واستبدلها بجلسات مراجعة حقيقية، شجع على الاقتراح لا على الانتظار، على التفكير لا على الامتثال.
حتى المدير العام الذي كان يشرف من مكتبه الزجاجي في الطابق العاشر، لاحظ التغيير، وفي اجتماع شهري، قال مبتسمًا” ربما لم نكن بحاجة إلى مزيد من الإجراءات، بل إلى مزيد من الثقة”.
ما حدث لم يكن مجرد تعديل إداري بل تحول فلسفي، التسلسل الأفقي لا يلغي القيادة، بل يعيد توزيعها، يجعلها جماعية، متداولة، حية، كل فرد يحمل جزءًا من القرار، وكل فكرة تملك فرصة للظهور، المعلومات لم تعد حكرًا، بل أصبحت متاحة، والفرق لم تعد تشكّل وفق الهيكل، بل وفق الحاجة، القائد لم يعد مسيطرًا، بل ميسرًا.
بعد ستة أشهر ارتفع رضا الموظفين، وانخفض وقت تنفيذ المشاريع، وبدأت الشركة تجذب مواهب تبحث عن بيئة تُشبههم، بيئة تصغي، تشجع، تؤمن، لم يكن التحول سهلًا لكنه كان حيًا، لم تكن المؤسسة آلة بل كائنًا حيًا ينبض بالأفكار، ويُعيد تعريف معنى العمل.
في نهاية العام جلس باسل أمام لوحة بيضاء كتب عليها، القيادة تبدأ حين نثق، ابتسم وأدرك أن التحول الحقيقي لا يبدأ من الهيكل بل من العقلية، وأن المؤسسات التي تعامل موظفيها كعقول لا كأيدي، هي التي تبقى، وتزدهر، وتحدث الفرق.




























