الصحوة – د. حمد بن ناصر السناوي
استشاري أول الطب السلوكي
غالبا ما تضج وسائل التواصل الاجتماعي بالقضايا الاجتماعية التي تثير الفضول وتشعل المواقع بالتعليقات والمشاركات، فيكثر اللغط وتنتهك الخصوصيات، ويتسابق البعض في نشر الفيديوهات التحليلية وتجريم الضحية أو الأهل، وقد يصل الأمر إلى تخصيص بودكاست كامل لعرض النظريات والتكهنات وأحيانًا التباكي أمام المتابعين. كل هذا تحت شعار “قضية رأي عام”، وكأن هذه الجملة تصريح مرور لعرض القضايا أمام الجمهور المتلهف، فبين حادثة وفاة الطبيبة النفسية في العراق، وقضايا النسب والتجارة بالأعضاء في مصر، يغرق الشارع العام في قضايا ما أن تنتهي حتى تبدأ غيرها.
مما يدفعنا للتساؤل: لماذا يقبل المتابعون على مثل هذه الأخبار بشغف كبير؟
لعل أول ما يتبادر إلى الذهن ما يعرف بـ”الخوف من أن يفوتك خبر”، و هي ظاهرة نفسية حديثة نسبيا نشأت مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي ، حين يحرص الفرد أن يكون ململا بكل ما ينشر في منصات التواصل الاجتماعي و قد يشعر بالحرج عندما يناقش من حوله موضوعًا يتصدر القنوات الإخبارية وهو لا يدري عنه شيئًا، فينطبق عليه المثل المصري “مثل الأطرش في الزفة”.
لكن الأمر لا يقتصر على ذلك، فمن منظور نفسي، يمكننا اعتبار هذه الضجة الإعلامية شكلاً من أشكال “الإلهاء الجماعي” الممنهج، أو ما يعرف في علم النفس باسم “الإزاحة الإدراكية”، حيث يتحول التركيز من قضايا ضاغطة نفسيًا إلى أخرى سهلة التناول، تثير الفضول ولا تتطلب من المتابع أن يتبنى موقفًا أخلاقيًا أو يحلل سياقات معقدة. هذه الإزاحة ليست عفوية، بل يتم إعدادها وتغذيتها عبر خوارزميات مصممة أساسًا لجذب الانتباه لا لنقل الحقيقة، و النتيجة “ضوضاء نفسية” تنشأ من التعرض إلى كم هائل من المعلومات السطحية والمشتتة التي تلهي الفرد عن التفكير في واقعه اليومي. فينشغل في أخبار من هم أقل حظًا منه، وقد يصل الأمر إلى شعور زائف بالتفوق على الآخرين، مما يؤدي تدريجيًا إلى خمول في الوعي وتبلد في الإحساس. ومع كثافة الأحداث والقصص المثيرة التي تُضخ بشكل يومي، يفقد الدماغ تدريجيًا قدرته على التمييز بين ما هو مهم وما هو تافه، ويزداد اللهاث خلف فضائح الآخرين وقضاياهم.
هذا النمط من التلاعب بالعقول ليس جديدًا، فقد مارسته أنظمة سياسية عبر التاريخ لتشتيت الشعوب عن قضاياهم الجوهرية. لكن الاختلاف اليوم أن أدوات التلاعب تطورت بشكل غير مسبوق لتصبح أكثر قربًا إلى الفرد من السابق، تتسلل إلى هاتفه وإشعاراته وتفضيلاته لتعرض أمامه على مدار الساعة. وهكذا يجد نفسه جزءًا من “حلقة لا تنتهي” من التصفح والمشاهدة والتعليق، دون أن ينتبه إلى حجم الوقت والجهد النفسي الذي يبدده يوميًا.
من جانب آخر، تشير الدراسات النفسية إلى أن متابعة هذا النوع من القضايا تمنح المتابع ما يُسمى “الإشباع البديل”، حيث يفرغ شحناته العاطفية من غضب أو حزن أو قلق عبر التفاعل مع القصص المنشورة، وكأنه يشارك في حلها أو إصدار الحكم على أبطالها، بينما في الحقيقة لا يغيّر شيئًا من واقعه الشخصي. هذه الحالة تشبه ما يفعله المشاهد عند متابعة مسلسل درامي مليء بالصراعات، لكن الفرق هنا أن الأبطال أناس حقيقيون، لهم حياة وسمعة وعائلات.
والسؤال الي يطرح نفسه هو ” كيف نبقي عقولنا يقظة وسط هذا الزخم الإعلامي؟
ينبغي لنا أن نختار بعناية ما نقرأ ونشاهد و أن نُدرّب أنفسنا على مقاومة الانجراف خلف كل ما هو رائج أو “ترند”، وأن نتذكر أن المواقف لا تُبنى على الأكثر تداولًا، بل على وعي ناضج وإدراك عميق لما يدور حولنا. وأن نُعلّم أبناءنا أن التسلية لا يجب أن تأتي على حساب الخوض في أعراض الآخرين. فالمجتمع الذي ينجرف وراء التسلية الفارغة يفقد تدريجيًا قدرته على مواجهة قضاياه الحقيقية.





























