حصريٌّ لـ«الصحوة» – على ضفاف النهضة، كتب السير دونالد هاولي عن عُمان لا بعيون زائر عابر، بل بعيون شاهدٍ عاش اللحظة؛ أول سفيرٍ لبريطانيا في مسقط بعد عام 1970، خلال سنوات التحول التي انتقلت فيها البلاد من هامش الخرائط إلى متن الحكاية، تلك الخبرة الدبلوماسية لم تكن مجرد موقع رسمي، بل عدسة توثّق بعين الميدان لا بخيال المؤرخ، فخرج كتابه الأشهر «عُمان ونهضتها الحديثة» كعمل يجمع المعاينة الشخصية بالوثيقة، ويستند إلى خرائط وصور وإحصاءات ورسومات ونصوص رسمية تصف البنية التحتية والتعليم والصحة والدور الخارجي، بعيدًا عن أي انزلاق في السجالات أو الانحيازات؛ وتكشف النسخة المودعة في “أرشيف الإنترنت” عن طبعة تحتوي على 264 صفحة بلغة تقريرية واضحة وعرض بصري وافٍ، ما يفسر بقاءه مرجعًا حيًا للباحثين والصحفيين حتى اليوم.
في سرده لوضع البلاد عشية النهضة، يكتب هاولي بوضوح لافت: “لم يكن في مسقط عام 1970 سوى بضع كيلومترات من الطرق المعبدة، ولم تكن هناك إنارة شوارع، أو شبكة مياه عامة، أو شبكة صرف صحي.. أما خارج العاصمة، فكانت الظروف أكثر بدائية”، لم يكتفي بوصف الطرق، بل يسلّط الضوء على ضعف البنية الطبية حين يقول: “كان يوجد طبيب حكومي واحد في البلاد بأكملها”، ثم ينتقل إلى التعليم ليذكر أن “عدد المدارس لم يتجاوز الثلاث، وكانت جميعها للبنين فقط، وتعتمد على مناهج بسيطة جدًا”، بهذه العبارات المقتضبة التي ترد في الكتاب ليست مجرد معلومات، بل لقطات مباشرة تبيّن حجم الانطلاقة التي كانت السلطنة على وشك خوضها.
هاولي لم يبدأ من فراغ؛ بدأ من الموقع نفسه، فخلال عمله سفيرًا في مسقط بين عامي 1971 و1974، راكم معرفة مباشرة ببنية الدولة الناشئة وآليات صنع القرار وتحولات المجتمع، وهو ما منح كتابه حسًّا توثيقيًا يندر أن يملكه مؤرخ آخر.. إدراج اسمه في قوائم السفراء البريطانيين لعُمان يثبّت تلك الحقيقة ويوفر إطارًا زمنيًا دقيقًا للسنوات التي غذّت هذه الشهادة.
أما «عُمان ونهضتها الحديثة» فليس كتاب صور تذكارية، بل سرد تفصيلي لولادة مشروع وطني يوازن بين حفظ الهوية والانفتاح على العصر، ومن الجغرافيا التي تتحول إلى مقدمة حكائية للتاريخ، إلى الإنسان الذي يظهر في النص بوصفه فاعلًا لا متفرجًا، يكتب هاولي بلغة رصينة: يصف ولا يبالغ، يحلل ولا يحاكم، وقد خصّص مساحة مهمة للحديث عن التحوّل السياسي الذي قاده المغفور له السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه- منذ الأيام الأولى لحكمه، مشيرًا إلى أن “السلطان الشاب لم يكن ينوي أن يحكم بالطريقة القديمة. كانت لديه رؤية واضحة: بناء الدولة الحديثة، وتوحيد البلاد، وفتح أبوابها على العالم الخارجي”. هذه الملاحظة تكشف إدراك هاولي المبكر لملامح القيادة الجديدة، وللانعطافة التاريخية التي بدأت تتبلور في الداخل العُماني.
ويقول في موضع آخر: “ما أدهشني في عمان لم يكن فقط حجم التغيير، بل سرعة استيعاب الناس لهذا التغيير، وتحمسهم له، حتى أولئك الذين عاشوا عقودًا في عزلة”؛ هذه الجملة تلخص نظرته للنهضة: لا كقرار من فوق، بل كتحول تفاعلي استوعبه المجتمع.
وفي فصل آخر من الكتاب، يتناول هاولي السياسة الخارجية العُمانية، ويصفها بأنها “تميّزت بالحذر، لكنها لم تكن انعزالية. لقد سعت عمان إلى بناء علاقات متوازنة مع جيرانها، دون الانخراط في الاستقطابات الإقليمية الحادة”، وهي شهادة تأتي من دبلوماسي مارس العمل من داخل المشهد لا من خارجه.
نسخة العمل المثبّتة لدى اليونسكو تؤرخ لصدور الكتاب عام 1976، ما يؤكد أنه توثيق مبكر لسنوات الانطلاقة، لا قراءة لاحقة بأثر رجعي، ولأن الكتاب عاش طويلًا في أيدي القرّاء، ظهرت له طبعات منقحة وتحديثات لاحقة، بينها طبعة مراجعة في أواخر الثمانينيات مع توسيع المواد المصورة والخرائط، وتعليقات تقارب ربع قرن من التحولات. الفهارس العالمية تثبت هذه الإصدارات، فيما تشير أوراق هاولي الخاصة المحفوظة في «مركز الشرق الأوسط» بجامعة أكسفورد إلى نسخة جديدة نُقّحت في منتصف التسعينيات، وهو ما يشرح كيف ظل الكاتب يعود إلى مادته ليواكب حركة النهضة نفسها.
قيمة هاولي، في النهاية، أنه كتب عن عُمان من الداخل، لا من برج مراقبة، وبأسلوب يليق ببلدٍ يفضّل الفعل على الضجيج.. لغته محسوبة، والمشهد الإنساني حاضر، والصورة في خدمة الفكرة، والهوية الوطنية متماسكة خارج أي اصطفاف، لذلك ظلّت كتبه مرجعًا يُستعاد كلما أراد قارئ أو محرر التماس شهادة رصينة على زمن تشكّل فيه وجه البلاد.. وإذا كان بعض استنتاجاته وُلد في سياق زمني محدد، فإن الوثيقة التي تركها تظل أعلى من زمنها، لأنها تضع بين يديك مادة تُقرأ اليوم بعين النقد، كما قُرئت بالأمس بعين الدهشة.



























