الصحوة – علي الحداد
في سماء الخليج العربي، حيث يلتقي الموج باللؤلؤ واللبان، وحيث تعانق الشمسُ أفقين توأمين: مسقط والمنامة، تُسطَّر واحدة من أرقى قصائد العلاقات العربية علاقة سلطنة عُمان ومملكة البحرين، تلك العلاقة التي لا تُختزل في البيانات الرسمية ولا تُقاس فقط بالاتفاقيات، بل تتجسد في موسيقى تاريخية متدفقة من جذور الحضارتين .. مجان العُمانية و دلمون البحرينية.
تاريخ ضارب في العمق
منذ أزمنة بعيدة، حين كانت سفن دلمون تمخر عباب البحر حاملة اللؤلؤ، وحين كانت مجان تمد جسور النحاس واللبان إلى الشرق والغرب، نشأت بين العاصمتين أواصر حضارية تتجاوز الجغرافيا. هذه الروابط ظلت حيّة عبر القرون، متجلية في التجارة، وفي تمازج العائلات عبر المصاهرة، وفي الموروث البحري الذي غنّى على سواحل البلدين.
وحين دخلت المنطقة العصر الحديث، وُلدت من هذه الجذور شجرة أخوّة راسخة. ومع استقلال البحرين عام 1971، وجدت هذه العلاقة نفسها أكثر قوةً ونضجًا، تتعمّق عبر مجلس التعاون الخليجي وتزدهر عبر التعاون المشترك في الاقتصاد والأمن والثقافة.
قمم اللقاء وألحان المودة
منذ لقاءات الراحل السلطان قابوس ـ طيّب الله ثراه ـ بأخيه الملك حمد، وحتى لقاءات حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم بالملك حمد بن عيسى، ظل المشهد خليجيًا صافيًا: قادة يجتمعون لا ليُلقوا خطبًا رسمية فحسب، بل ليجددوا عهد الأخوّة، وليجعلوا من اللقاء نشيدًا وديًا تُردده الأجيال.
زيارة الملك حمد الأخيرة إلى صلالة في أغسطس 2025 كانت قصيدة مطرية كأجواء ظفار في الخريف، لقاء ودي في بيت الرباط العامر، غابت عنه الجداول الرسمية، وحضر فيه القلب والوجدان. وكما تعانق السحاب مع الجبل، تعانق صوت السلطان وهو يرحّب، مع صوت الملك وهو يؤكد على عمق الروابط، في مشهدٍ يفيض بالودّ والسكينة.
من اللجان المشتركة إلى الرؤى المستقبلية
ولم تقتصر الأخوّة على رمزية اللقاءات، بل تجسدت في أطر عملية واضحة. فاللجنة العُمانية البحرينية المشتركة التي تأسست منذ 1992 أضحت جسرًا مؤسسيًا لتوقيع الاتفاقيات في الثقافة والسياحة والتجارة والبيئة والشباب. ومؤخرًا، شهدت اجتماعاتها في صلالة توقيع مذكرات تفاهم مهمة، بل والاتفاق على تأسيس شركة قابضة للاستثمار بين البلدين، بما يفتح أبوابًا أوسع للتكامل الاقتصادي.
وإلى جانب ذلك، يعمل مجلس الأعمال المشترك وجمعية الصداقة البحرينية العُمانية على ترجمة الروابط الشعبية إلى واقع ملموس، عبر تفعيل التعاون في الاستثمار والفنون والمجتمع، بما يرسّخ دعائم التواصل الحضاري.
موسيقى الحلوى ودفء الروح
وكما أن التاريخ يُكتب بالوثائق، فإنه يُحفر أيضًا في الذاكرة الشعبية. فما من لقاءٍ عماني بحريني إلا وكانت الحلوى العُمانية والحلوى البحرينية شاهدتين على الضيافة الأخوية. حلوى عُمان، ببهاراتها العتيقة وعبقها الممزوج بالزعفران، وحلوى البحرين بنكهة التمر والدبس ودفء النخيل. تمازج المذاقَين في طبقٍ واحد هو الصورة الأجمل لهذه العلاقة: تنوع يذوب في وحدة، وحلاوة تجسد عمق الأخوة.
رسالة للمستقبل
إن العلاقات العُمانية البحرينية ليست مجرد فصل في كتاب التاريخ، بل هي مقطوعة موسيقية تتجدد مع كل جيل، وتتطلع إلى المستقبل برؤى واضحة: رؤية “عُمان 2040” ورؤية “البحرين 2030”. واللقاءات الأخوية بين السلطان هيثم والملك حمد تحمل رسالة مفادها أن التعاون ليس خيارًا تكتيكيًا، بل هو قدرٌ تاريخي، وأن الخليج العربي سيظل فضاءً للأخوة قبل أن يكون جغرافيا مشتركة.
خاتمة
في النهاية، عُمان والبحرين ليستا مجرد بلدين متجاورين، بل هما وتران على آلةٍ موسيقية واحدة: إذا عزف أحدهما ارتجّ الآخر طربًا. وإذا كانت العلاقات بين الدول تُقاس بالثبات والتجذر، فإن النموذج العُماني البحريني يظل من أرقى النماذج العربية، حيث تتعانق فيه قصيدة التاريخ مع لحن المستقبل، وتظل الحلاوة في المذاق كما في الروح عنوانًا لا يزول .





























