حصريٌّ لـ«الصحوة» – بالتزامن مع انطلاق مهرجان مسندم الدولي للغوص، يطفو على السطح ملفّ لافت ارتبط باسم المحافظة في السنوات الأخيرة: إغراق سفن وزوارق عسكرية خرجت من الخدمة لتبدأ حياة جديدة في أعماق البحر. مشهد قد يبدو نهاية لرحلة بحرية عسكرية، لكنه في الحقيقة بداية لرحلة أكثر عمقًا نحو الاستدامة، والسياحة البيئية، وتعزيز التنوع البحري.
غرقٌ مقصود.. حياة متجددة
في 7 فبراير 2023، نفّذت البحرية السلطانية العُمانية واحدة من أكثر عملياتها البيئية جرأة؛ حيث جرى إغراق سفينة سريعة بعد 35 عامًا من الخدمة العسكرية. العملية تمت بدقة ميدانية عالية، نقلت خلالها السفينة من قاعدة مسندم البحرية إلى موقع مُختار بعناية، قبل أن تُغمر بالمياه وسط متابعة رسمية حضرها محافظ مسندم وقائد البحرية السلطانية وعدد من الضباط والمختصين البيئيين.
لكن الهدف لم يكن التخلص من قطعة بحرية عتيقة؛ بل خلق بيئة اصطناعية تعيد تشكيل المشهد البيولوجي في أعماق مسندم. الهيكل الغارق تحوّل تدريجيًا إلى مرتكز للشعاب المرجانية، وملاذ للكائنات البحرية، ومختبر طبيعي للباحثين في علوم الأحياء البحرية.
«الباطنة».. زورق يكتب فصلًا جديدًا
في الموقع ذاته تقريبًا، يربض اليوم زورق الدورية “الباطنة” على عمق يتراوح بين 22 و24 مترًا. الزورق الذي أغرقته البحرية السلطانية العمانية أيضًا عام 2023 يقف قائمًا على قاع رملي، طولُه الذي تتفاوت التقديرات حوله (بين 15 و30 مترًا) لم يمنعه من أن يصبح مقصدًا شهيرًا للغواصين.
والمكان، القريب من موقع «عين القط» قرب جزيرة الخيل، لم يحتج سوى أشهر قليلة ليغدو لوحة بحرية زاخرة؛ حيث غطت الإسفنجيات الحمراء والبرتقالية هيكل الزورق، وبدأت أسراب Yellowbar angelfish وRound batfish وPennant coralfish في الاستيطان، لتعلن أن الحياة عادت إلى الحديد البارد بسرعة لافتة.
ما بين السياحة والعلم
اختيار هذه المواقع لم يكن عشوائيًا؛ فالمياه المحمية من التيارات في مسندم جعلت من الحطام بيئة مثالية للغوص الترفيهي والبحث العلمي على حد سواء. وهكذا، لم يعد الموقع وجهة لعدسات الغواصين وهواة المغامرة فحسب، بل مساحة دراسية يستفيد منها علماء الأحياء البحرية في فهم أنماط تكاثر الأحياء على الشعاب الاصطناعية.
امتداد لتجربة «المناصر»
هذه التجربة ليست جديدة كليًا؛ فقد سبق أن شهدت سلطنة عُمان عام 2003 إغراق سفينة «المناصر» في بندر الخيران بأمر من السلطان الراحل قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- لتتحول إلى أيقونة للغوص في مسقط. واليوم، تعيد مسندم إنتاج التجربة بروح أكثر اتساعًا، لتضع نفسها على خريطة الغوص العالمية كوجهة تزدان بالشعاب الطبيعية والصناعية على حد سواء.
وقد يتوارى اسم السفينة أو الزورق عن دفاتر الأساطيل، لكن البحر يحتفظ به بذاكرة أخرى؛ ذاكرة حية تنبض بالشعاب والكائنات والعدسات التي توثّق المشهد. وهكذا، يصبح الإغراق فعل إحياء، لا غياب؛ ومشهدًا تتقاطع فيه الدقة العسكرية مع الأفق البيئي والسياحي والعلمي.





























