الصحوة – علي الحداد
تشهد سلطنة عُمان في عهد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – مرحلة جديدة من التوجه الاقتصادي تقوم على تعزيز الشراكات الدولية وتوسيع نطاق الاستثمارات بما ينسجم مع رؤية عُمان 2040. فقد أصبحت السياسات الاقتصادية العُمانية اليوم أكثر انفتاحاً على الأسواق الناشئة والفرص الواعدة، حيث تسعى السلطنة إلى تنويع مصادر الدخل الوطني وبناء اقتصاد متكامل يستند إلى ركائز مستدامة تضمن التوازن بين الداخل والخارج.
وفي هذا الإطار، جاء اللقاء الذي جمع رئيس جهاز الاستثمار العُماني معالي عبدالسلام بن محمد المرشدي بفخامة رئيس بوركينا فاسو إبراهيم تراوري في العاصمة واغادوغو في أواخر أغسطس 2025 ليعكس التوجه الاستراتيجي لسلطنة عُمان نحو القارة الإفريقية، باعتبارها إحدى البوابات الاستثمارية الكبرى في العالم.
لقد خطت السلطنة منذ بواكير النهضة المباركة خطوات جادة في رسم سياسة خارجية متوازنة تقوم على بناء جسور الثقة والصداقة مع الدول الشقيقة والصديقة، إلا أن عهد النهضة المتجددة رسخ التوجه نحو التوسع الاقتصادي الخارجي باعتباره خياراً استراتيجياً يهدف إلى تعظيم العوائد وتنويع مصادر النمو. وإفريقيا، بما تحمله من ثروات طبيعية وإمكانات بشرية، تمثل أحد أهم الاتجاهات التي يمكن لعُمان أن تجد فيها فرصاً حقيقية لتعزيز حضورها الاقتصادي والاستثماري.
ويأتي اختيار بوركينا فاسو كوجهة استثمارية تجسيداً لهذا التوجه؛ فهي دولة غنية بالموارد الطبيعية، خاصة في قطاع التعدين حيث تُعد من كبار منتجي الذهب في غرب إفريقيا، إضافة إلى احتياطيات مهمة من معادن أخرى مثل المنغنيز والزنك. هذه الثروات تمثل فرصة كبيرة لجهاز الاستثمار العُماني للاستفادة من خبراته العالمية في مجال تطوير الموارد الطبيعية بما يعزز القيمة المضافة ويخدم مصالح الطرفين. وإلى جانب ذلك، تتميز بوركينا فاسو بقدرات زراعية ضخمة، إذ تُعد من أبرز منتجي القطن والحبوب في المنطقة، الأمر الذي يفتح المجال أمام سلطنة عُمان للاستثمار في الزراعة الحديثة والمستدامة، بما يسهم في دعم الأمن الغذائي العُماني والإفريقي على حد سواء.
كما أن موقع بوركينا فاسو في قلب غرب إفريقيا يمنحها ميزة استراتيجية تجعلها بوابة نحو أسواق إقليمية واسعة، وهو ما يتلاقى مع التوجه العُماني نحو بناء شراكات اقتصادية ممتدة تتجاوز حدود الدولة الواحدة لتشمل محيطها الإقليمي. هذه الرؤية لا تقتصر على الاستثمار في القطاعات التقليدية فحسب، بل تمتد لتشمل مجالات حيوية مثل الطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية، التي باتت السلطنة رائدة في تطويرها بفضل بنيتها التحتية المتقدمة وخبراتها المتراكمة.
إن التوجه العُماني نحو إفريقيا، وفي مقدمتها بوركينا فاسو، يمثل خياراً استراتيجياً بعيد المدى يقوم على قراءة دقيقة للتحولات الاقتصادية العالمية. فالعالم اليوم يتجه أكثر فأكثر نحو إفريقيا باعتبارها القارة الصاعدة ذات الموارد الهائلة والأسواق الواعدة، وعُمان تدرك أن تعزيز حضورها هناك لا يعني مجرد استثمار اقتصادي، بل بناء علاقات شراكة متينة قائمة على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل للسيادة الوطنية. وفي الوقت ذاته، فإن هذه الاستثمارات تترجم عملياً التوجيهات السامية لجلالة السلطان المعظم، الداعية إلى الانفتاح على العالم وإيجاد موطئ قدم عُماني في مختلف القارات بما يخدم التنمية الوطنية ويعزز المكانة الدولية للسلطنة.
لقد بات واضحاً أن بوصلة الاستثمار العُماني تتجه بثقة نحو إفريقيا، وأن اللقاء بين مسقط وواغادوغو ليس حدثاً عابراً، بل محطة مفصلية في مسيرة بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد. إنها خطوة تعكس حيوية السياسة العُمانية ورؤيتها البعيدة، وتجسد في الوقت ذاته طموح جيل النهضة المتجددة في أن تكون السلطنة فاعلاً أساسياً في رسم ملامح الاقتصاد الإقليمي والدولي.



























