الصحوة – د. حمد السناوي
تبادلت مواقع التواصل الاجتماعي في الأسبوع الماضي قصة رجل من شمال إيطاليا خرج في نزهة لتهدئة أعصابه بعد شجار مع زوجته، لكن النزهة القصيرة تحولت إلى رحلة مشي طويلة قطع خلالها 450 كيلومتراً على مدى أسبوع كامل حتى وصل إلى جنوب إيطاليا، حيث عثرت عليه الشرطة بعد أن أبلغت زوجته عن اختفائه كان مرهقاً ويشعر بالبرد لكنه شعر أن مشي تلك المسافة الطويلة ساعدته كثيراً في تصفية ذهنه.
لا شك بأن الشجار جزء طبيعي من أي عِلاقة سواء كانت زواجاً أو صداقة، حيث لا يمكن للمرء أن يكون محقاً دائماً في نظر الآخرين. ومن منظور نفسي فإن بعض الخلافات صحية وقد تساعدنا على النضج وفهم الآخرين وتقدير مواقفهم، لكن بعض الخلافات يمكنها أن تدمر العلاقات وتجلب التعاسة للطرفين.
يشير علماء النفس إلى عدة عوامل يمكن أن تسبب الخلافات والأشجار بين الأزواج، مثل تضارب الشخصيات، الاختلاف في أساليب التربية، صراع القوة، والضغوط بمختلف أنواعها. ولعل الاختلاف في الشخصية من أوائل مسببات الشجار الذي تظهر في بداية الزواج عندما يبدأ كل طرف في التعرف على الآخر عن قرب ويلاحظ عاداته و سلوكياته التي قد تكون مختلفة تماما عما نشأ عليه، أذكر أن أحد الشباب جاء للاستشارة خلال شهر العسل لأنه لم يتمكن من تقبل سلوكيات زوجته و حرصها الشديد في أن يكون كل شيء في موعده، الوجبات تقدم في وقت محدد لا يمكن تجاوزه ، و أي نزهة خارج المنزل يجب التخطيط له مقدّمًا على الأفل بيوم قبل الموعد، كما أن الزوجة تصر أبداء الملاحظات طوال الوقت، تنتقد طريقته في قيادة السيارة و ذوقه في العطور، حاول الزوج الاستفسار عن سبب هذه الشروط الغريبة أو الهدف منها لكن الزوجة اكتفت بالقول بأنها تحب النظام و تكره الفوضى.
كما يعتبر المال من أكثر الأسباب شيوعاً للشجار. فكثيراً ما يختلف الأزواج في عادات إنفاق المال أو ادخاره، فتلجأ بعض النساء إلى هدر المال على الكماليات بينما يفضل الرجل الادخار و توفير الاحتياجات الأساسية أولا، و تسبب الخلافات في طريقة تربية الأبناء التربية الشجار بين الزوجين خاصة عندما يكون أحد الوالدين أكثر تساهلاً بينما الآخر صارماً، مما يؤدي إلى خلافات حول الانضباط والتعليم السلوكيـات الاجتماعية عمومًا، وقد يلاحظ الأبناء هذه الفُرُوق ويقومون بالتلاعب بين الوالدين و تعميق الفجوة بينهما فيصبح الطرف المتساهل هو الطيب و الصارم هو الشرير الذي يتم تجنبه و إقصائه تدريجيا.
تشير الأبحاث العلمية أظهرت أن المشكلة بن الزوجين قد لا تكون الخلافات بحد ذاتها، بل في كيفية تواصل الأزواج في أثناء الاختلاف، فبعض السلوكيات مثل الصراخ أو النقد أو السخرية واستخدام اللغة الاستهزائية تجعل المشكلات الصغيرة تبدو أكبر بكثير، بينما يتمكن الأزواج الذين يديرون الحُوَار باحترام متبادل وبإنصات، ويعبرون عن مشاعرهم بهدوء، من تجاوز الخلاف مهما كانت أسبابها.
ولا ننسى دور ضغوطات العمل أو الالتزامات الأسرية أو المشكلات الصحية في الشجار بين الأزواج يستخدمان بعضهما كمتنفس عاطفي في لحظات الإجهاد والإرهاق الذي قد يكون مصدرها خارج نطاق الأسرة.
ينصح الخبراء بأن ينظر الأزواج إلى الخلافات ليس كمعارك للفوز، بل كفرص للتواصل وفهم الطرف الآخر. ويمكن لتقنيات بسيطة مثل أخذ استراحة قصيرة أو الخروج في نزهة لتهدئة الأعصاب، أو استخدام عبارات تبدأ بـ “أنا أشعر…” بدلاً من اللوم فنقول “أنا أشعر بالإهمال عندما…” بدلاً من “أنت دائماً تتجاهلني” العبارة الثانية تركز على مشاعر وتقلل من التصعيد. أحيانا تسيطر الخلافات و الشجار على الحياة الزوجية فيشعر الطرفين بالتعاسة مما يستوجب استشارة الطبيب النفسي او المعالج النفسي الذي قد يساعد الأزواج على تطوير مهارات حل النزاعات.



























