الصحوة : علي الحداد
منذ اللحظة الأولى لقيام الكيان الصهيوني ظلّت حالة القلق الوجودي هي المحرك الأساسي لسلوكه وسياساته، إذ إن إسرائيل لم تُولد كدولة طبيعية متجذّرة في المنطقة، وإنما ككيان مصطنع يفتقد إلى الانسجام مع محيطه الحضاري والثقافي، ولذلك كان القلق هو السمة الملازمة لها منذ النشأة حتى اليوم. هذا القلق لا يُترجم فقط في خطاب سياسي مضطرب أو في توجس أمني دائم، بل في استراتيجيات كبرى لا تهدف إلى حماية حدودها فحسب، بل إلى إعادة تشكيل البيئة المحيطة كلها بما يضمن استمرارها. ولعلّ أبرز ما يُظهر هذه الرؤية هو السعي المستمر لإبقاء المنطقة في حالة توتر دائم، بحيث تُستهلك الدول في صراعاتها الداخلية، وتتحول طاقاتها بعيداً عن مواجهة إسرائيل باعتبارها العدو المشترك.
إسرائيل تدرك أن أي استقرار حقيقي في المنطقة، أو أي نهضة عربية أو إسلامية، يُمثل تهديداً جوهرياً لبقائها، لذلك تلجأ إلى تغذية النزاعات الطائفية والمذهبية والعرقية، وإلى إشعال الحروب الأهلية والصراعات الداخلية. بهذا تُبقي المحيط مشغولاً بذاته، مقسّماً إلى كيانات صغيرة، ضعيفة ومتصارعة، لا تجد وقتاً ولا إرادة للتفكير في مشروع جامع أو جبهة موحّدة في مواجهة الاحتلال. وبالموازاة مع هذا المسار، تعمل إسرائيل على منع دول المنطقة من تحقيق نهضة اقتصادية حقيقية يمكن أن تتحول في المستقبل إلى قوة عسكرية أو سياسية مستقلة. فالمطلوب أن تبقى هذه الدول هشة، محدودة القدرة، معتمدة على المظلة الأمريكية، وأن تبقى ثرواتها مجرد أرقام عاجزة عن أن تتحول إلى مشاريع تنموية أو صناعية أو عسكرية قادرة على قلب التوازنات.
وإذا كانت الدول في نظر إسرائيل تشكل تهديداً، فإن الحركات الشعبية المقاومة تمثل الخطر الأكبر، لأنها ليست رهينة حكومات أو أنظمة يمكن الضغط عليها، وإنما تنبع من إرادة الشعوب نفسها. هذه الحركات، التي تولد من رحم المعاناة والاحتلال، لا يمكن احتواؤها أو إخضاعها بسهولة، وهي التي جعلت إسرائيل تعيش حالة قلق مضاعف. لذلك تسعى بكل الوسائل إلى شيطنتها أمام الرأي العام، وإلى عزلها إقليمياً ودولياً، وإلى إثارة الانقسامات في صفوفها، لأنها تدرك أن استمرار هذه الحركات يعني استمرار التهديد لوجودها مهما امتلكت من قوة عسكرية.
إسرائيل لا تتحرك بعقلية اللحظة الآنية، بل تبني سياساتها على مدى عقود، فهي تخطط لما بعد عشرين وثلاثين سنة، وتدرك أن استراتيجياتها يجب أن تكون طويلة الأمد. ولهذا نراها تعود باستمرار إلى افتعال أزمات أو شن حروب أو تنفيذ اغتيالات، ليس فقط رداً على مواقف أو أحداث محدودة، بل لضمان بقاء المنطقة في حالة قلق واضطراب، ولتوجيه رسائل ردع استباقية لكل من يفكر في بناء مشروع مقاوم أو نهضوي. فقصف مكتب حماس في قطر، على سبيل المثال، لا يُفهم كحدث معزول، بل كجزء من هذه الرؤية، إذ أرادت إسرائيل أن ترفع سقف التهديد، وأن تؤكد قدرتها على تجاوز المظلات الدولية، حتى تلك المرتبطة بالولايات المتحدة، لإيصال رسالة بأنها قادرة على الضرب في أي مكان وزمان، وأنها فوق كل الاعتبارات.
غير أن هذه الاستراتيجيات، مهما بدت ناجحة في المدى القصير، تحمل في طياتها بذور الفشل على المدى الطويل. فإسرائيل تستطيع أن تدمّر البيوت، وأن تقتل النساء والأطفال، وأن تحدث خسائر هائلة في البنية التحتية، لكنها لا تستطيع أن تكسر إرادة الشعوب. تجربة غزة أبرز شاهد على ذلك، فقد صمدت هذه المدينة الصغيرة بوجه واحدة من أعنف الآلات العسكرية في العالم لسنوات طويلة، وما زالت تقاوم حتى اليوم. إن صمود غزة لا يُقاس فقط بحجم الخسائر المادية أو البشرية، بل بقدرتها على إفشال المشروع الإسرائيلي في فرض الاستسلام الكامل، وهو ما يفضح عجز إسرائيل عن تحقيق نصر استراتيجي حقيقي رغم ما تمتلكه من سلاح ودعم دولي.
إن معضلة إسرائيل الكبرى تكمن في أنها، على الرغم من تفوقها العسكري والتكنولوجي، تفتقد إلى الشرعية التاريخية والأخلاقية. فهي ليست جزءاً طبيعياً من هذه المنطقة، ولن تكون مهما حاولت أن تفرض وجودها بالقوة. كل ضربة عسكرية أو عملية اغتيال أو قصف واسع قد يمنحها شعوراً بالإنجاز اللحظي، لكنه يترك في المقابل جروحاً أعمق في ذاكرة الشعوب، ويزيد من إصرارها على المقاومة. فالوعي الشعبي الذي يتشكل اليوم في المنطقة، سواء كان سياسياً أو دينياً أو اجتماعياً، يتحول في النهاية إلى مقاومة متجددة تفضح هشاشة المشروع الصهيوني وتؤكد أن هذا الكيان لا يعيش إلا على الأزمات.
وبذلك يتضح أن الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على تفتيت المنطقة وإفقارها ومحاصرة المقاومة وإبقاء حالة التوتر قائمة كخيار دائم. غير أن هذه الركائز، مهما بدت قوية، لا تضمن استقراراً دائماً، لأن الشعوب التي تعيش تحت الاحتلال أو في محيطه قادرة دائماً على إنتاج حركات جديدة، واستعادة وعيها، وتحويل معاناتها إلى طاقة مقاومة. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: إسرائيل تحتاج إلى الأزمات لتبقى، لكنها لا تدرك أن هذه الأزمات نفسها هي التي تغذي جذوة المقاومة وتجعل وجودها مهدداً جيلاً بعد جيل .




























