الصحوة – سعاد الوهيبية
في قلب صلالة، حيث تتراقص الأشجار على أنغام الخريف، وتتنفس الأرض رائحة المطر، ينهض جامعٌ بهيّ وسط الطبيعة، لا يُشبه سواه، إنه جامع “سيد الحضرة”، ذلك المكان الذي لا تكتفي العين برؤيته، بل تُحاول الروح أن تلمسه.
تسلك الطريق إليه وكأنك تمشي في قصيدة، الأشجار تحفّك من الجانبين، والضباب ينسج حولك ستارًا من السكينة، كل خطوة تقربك من الجامع، تُشعرك أنك تقترب من شيء أقدم من الزمن، وأجمل من الوصف، هناك، وسط الخُضرة، يطلّ الجامع كمنارة هادئة، لا تصرخ بجمالها، بل تهمس به.
تتأمل البناء، فتشعر أن الجدران تحفظ أسرارًا، وأن الأرض التي يقوم عليها ليست مجرد تراب، بل ذاكرة، وفي لقاء عبر إذاعة هلا أف أم يقول الباحث الاجتماعي حامد بن جمعان باوزير إن هذا الجامع يُرجّح أنه من بقايا مدينة البليد التاريخية، تلك المدينة التي كانت يومًا ما بوابة الجنوب إلى العالم، وميناءً لتجارة اللبان، وعاصمةً للحضارة في ظفار، ويضيف: “الجامع لا يُمثل جمال الطبيعة في صلالة فقط، بل يحمل في طياته عبق الماضي، ويستحق أن يتوقف الزائر عنده، لا أن يمرّ به مرور العابرين”.

تسمية الجامع بـ”سيد الحضرة” تُضفي عليه طابعًا روحانيًا خاصًا، فكلمة “الحضرة” في السياق الصوفي تعني مجلس الذكر، والتأمل، والصفاء، وكأن المكان خُلق ليكون حضرةً دائمة، لا تنقطع فيها الصلة بين الأرض والسماء.
ومدينة البليد التي يحتضن الجامع جزءًا من أطلالها، كانت يومًا ما مركزًا تجاريًا مزدهرًا، تُبحر منها السفن محمّلة باللبان، وتُقام فيها الأسواق والمساجد، واليوم، بقي من تلك المدينة أثرٌ يُقاوم النسيان، وجامعٌ يُصلي فيه التاريخ.
في موسم الخريف، حين تتوشح صلالة بثوبها الأخضر، يتحول جامع سيد الحضرة إلى مشهدٍ سينمائي، تتداخل فيه عناصر الطبيعة مع روح المكان، الزائر لا يلتقط صورة فحسب، بل يلتقط لحظة من الزمن، تُخبره أن الجمال لا يُصنع فقط بالحجر، بل بالذاكرة.




























