الصحوة _ في لحظةٍ تحمل بين طياتها أبعادًا استراتيجية ودلالاتٍ دبلوماسية عميقة، يستعد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم ـ حفظه الله ورعاه ـ للقيام بأول زيارة رسمية إلى جمهورية بيلاروس، في خطوة تُؤذن ببدء فصلٍ جديدٍ من التعاون بين البلدين الصديقين، وتمهّد لمسارات أكثر عمقًا في الشراكة الاقتصادية والسياسية على حدّ سواء.
وتأتي الزيارة بدعوةٍ رسمية من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، وتُعد الأولى من نوعها على مستوى القيادة العُمانية إلى بيلاروس، ما يضفي عليها أهمية خاصة كونها تنقل العلاقة الثنائية من مستوى التعاون البروتوكولي إلى آفاق استراتيجية مدروسة، وتُجري السلطنة من خلال هذه الزيارة مشاورات مع الجانب البيلاروسي تتناول سُبل تعزيز الشراكات في قطاعات حيوية، من أبرزها التصنيع المتقدّم، والصناعات الدفاعية، والقطاع الزراعي، والتعليم، ونقل التكنولوجيا، إلى جانب التشاور حول مستجدات الساحتين الإقليمية والدولية.
وقد سبقت هذه الزيارة إرهاصاتٌ مهمة أبرزها زيارة الرئيس البيلاروسي إلى سلطنة عُمان في ديسمبر 2024، والتي وَصفتها وكالة أنباء بيلتا الرسمية (BELTA) بأنها “إشارة مهمة إلى بداية عهد جديد من التعاون بين مينسك ومسقط”، و”انفتاح استراتيجي لبيلاروس على الخليج”. وأكدت صحيفة “Zviazda” الحكومية بدورها أن “عُمان تمثل وجهة دبلوماسية مستقرة وذات ثقل إقليمي خاص، ومن شأن العلاقة معها أن تفتح فرصًا تجارية وتكنولوجية جديدة لبيلاروس”.
وقد تم خلال تلك الزيارة توقيع عدد من مذكرات التفاهم، وتأسيس لجنة عُمانية-بيلاروسية مشتركة للتعاون الاقتصادي والفني، وهو ما أرسى أساسًا صلبًا يُبنى عليه اليوم من خلال زيارة جلالة السلطان، التي وصفتها صحيفة “SB.by” بأنها “مؤشر على رغبة مشتركة في تعميق العلاقات من مستوى دبلوماسي إلى مستوى تنموي واستراتيجي فعّال”.
اللافت أن الخطاب الإعلامي في بيلاروس ركّز في تغطيته على ملامح عُمان السياسية، مشيرًا إلى ما تمثله من نموذج للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، واصفًا السلطنة بأنها “صوت الحكمة” في الإقليم، و”جسر تواصل” بين الشرق والغرب، كما سلّطت وسائل الإعلام الضوء على الإمكانيات الاستثمارية الكبيرة التي تملكها عُمان، لا سيما في ظل رؤية عُمان 2040، التي فتحت المجال أمام الاستثمارات الأجنبية ضمن بيئة تشريعية مرنة وحوافز اقتصادية واعدة.
وفي مقابل هذا الترحيب البيلاروسي، تُدرك عُمان أهمية توسيع دوائر شراكاتها خارج الإطار التقليدي، لا سيما مع دول تنتهج سياسة متوازنة وغير استعمارية في توجهاتها… وبيلاروس، رغم تعقيدات موقعها الجيوسياسي، تعد من الدول التي تسعى إلى تنويع علاقاتها شرقًا وغربًا، بما في ذلك دول الخليج، وهو ما يمنح الزيارة بُعدًا يتجاوز الجانب الثنائي إلى قراءة استراتيجية أشمل.
وفي لحظة دولية تتسم بالاستقطاب، تختار عُمان مجددًا أن تمضي في طريقها الخاص: طريق الحكمة، والتوازن، والدبلوماسية المنتجة، زيارة السلطان إلى بيلاروس تُجسّد هذا النهج، وتؤذن بمرحلة جديدة لعلاقات خارجية تتسم بالمرونة والواقعية، لكنها لا تُفرّط بالمبادئ ولا بالثوابت.




























