الصحوة – علي الحداد
يبدو اليمن اليوم وكأنه يقف على حافة الفراغ، وطنٌ أنهكته الحروب وتنازعت عليه الانقسامات حتى كاد يفقد صوته في ضجيج البنادق. لم تعد المعارك تُنتج سوى الدمار ، ولم يعد الخلاف السياسي سوى وقودٍ لنارٍ أحرقت الحجر والبشر معاً. وفي لحظة كهذه، يصبح التصالح خياراً سياسياً يفاوض عليه القادة، وقدراً وطنياً لا مفر منه، وسبيلاً وحيداً للنجاة من التلاشي.
تاريخ اليمن مثقل بجراحه، متخم بانكساراته، لكنه لم يُخلق ليبقى أسيراً لها. فالثأر لا يبني وطناً، والانتقام لا يصنع مستقبلاً. وحده التسامح قادرٌ على أن يرمم ما تهدّم، وأن يفتح الباب أمام أجيالٍ تبحث عن غدٍ لا يشبه الأمس. إن التحول من ذاكرة الدم إلى ذاكرة البناء هو رهان البقاء، وهو الاختبار الذي يواجه كل اليمنيين اليوم، بلا استثناء.
المأساة اليمنية لم تعد مجرّد أرقام في تقارير الإغاثة. إنها وجوه أطفالٍ شاحبة تبحث عن كسرة خبز، وأمهاتٍ يواجهن المرض بيدين فارغتين، وأسرٍ تنام تحت خيامٍ لا تقي برداً ولا حرّاً. أما الاقتصاد فقد انكسر حتى لم يعد ينتج سوى العوز. كل ذلك يصرخ بأن البلاد إن لم تستيقظ على مصالحة حقيقية، فإنها ماضية إلى العدم.
ولأن الجغرافيا تصنع المصير، فإن دول الخليج ليست بعيدة عن هذه المأساة. فاستقرار اليمن هو جزء من أمنها، وسقوطه خطرٌ يهددها جميعاً. مسؤوليتها إذن لا تقف عند حدود المساعدات الإنسانية، بل تتجاوزها إلى رعاية مسار تصالحي شامل، يردم هوة الانقسام ويعيد لليمنيين ثقتهم بأنفسهم وبجيرانهم. إن دعم سلامٍ عادلٍ في اليمن ليس منّةً، بل استثمارٌ في أمنٍ إقليمي مشترك.
ورغم كل العتمة، لا يزال في اليمن ما يستحق الحياة. أرضه غنية بالموارد، وموقعه مفتاحٌ للتجارة العالمية، وتاريخه شاهدٌ على حضارةٍ عمرها آلاف السنين. لكن هذه الكنوز ستظل رماداً إن لم يُقرّر اليمنيون أن يكون المستقبل أكبر من الماضي، وأن الوطن أوسع من الحزب والقبيلة والانقسام.
إن اليمن اليوم أمام مفترقٍ مصيري .. إما أن يختار المصالحة، فيكتب فصلاً جديداً من تاريخه، وإما أن يستسلم للضياع فيغدو أطلالاً تتنازعها الريح. المصالحة ليست استسلاماً ولا هزيمة، بل شجاعة الاعتراف بأن الدم يكفي، وأن للبلاد حقاً في أن تعود إلى الحياة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في ختام هذا الطريق الشائك .. فليكن التصالح عهد اليمنيين الجديد، وليكن السلام هو الاسم الآخر لوطنهم.




























