حصريٌّ لـ«الصحوة» – شهدت الشمس يوم 11 نوفمبر 2025 انفجارًا شمسيًا ضخمًا من الفئة X5.1، في حدث يُعد الأقوى منذ بداية العام، وأحد أشد الانفجارات المسجّلة في الدورة الشمسية الحالية رقم 25. ووفقًا لمركز التنبؤ بالطقس الفضائي التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية (NOAA)، فإن هذا الانفجار اندلع من منطقة البقع الشمسية النشطة AR 4274، مسببًا انقطاعًا واسعًا في الاتصالات الراديوية فوق أجزاء من أوروبا وأفريقيا، مع توقعات بحدوث عاصفة مغناطيسية شديدة (G4) خلال الأيام التالية.
■ انفجار يفوق التوقعات
بدأ الحدث في الساعة العاشرة وأربع دقائق بتوقيت غرينيتش، وامتد لفترة طويلة وصفها العلماء بأنها “انفجار طويل المدى” نظرًا لاستمراريته وكثافة الإشعاع الصادر عنه. وتُعد الفئة X الأعلى في سلم شدة الانفجارات الشمسية، حيث تشير إلى أقوى مستويات انبعاث الأشعة السينية من سطح الشمس. أما التصنيف الفرعي X5.1 فيعني أن الانفجار تخطّى خمسة أضعاف الحد الأدنى لهذه الفئة، ما يجعله من أعنف الظواهر الشمسية في السنوات الأخيرة.
وشهدت مراكز الأرصاد الفضائية موجة قوية من الأشعة فوق البنفسجية والأشعة X تسبّبت بتأيين الطبقة العليا من الغلاف الجوي (الأيونوسفير) على الجانب المضيء من الأرض، ما أدّى إلى انقطاع الاتصالات عالية التردد (HF) في مساحات واسعة من نصف الكرة الجنوبي.
■ تحذيرات من عاصفة مغناطيسية وشفق قطبي واسع
أصدرت وكالة NOAA تحذيرًا من عاصفة مغناطيسية أرضية من الدرجة الرابعة (G4)، وهي من الفئات الشديدة التي قد تُحدث اضطرابات في شبكات الكهرباء وأنظمة الملاحة والأقمار الصناعية. ووفقًا لموقع SpaceWeatherLive، فإن الانفجار أطلق أيضًا تدفقًا قويًا من الجسيمات المشحونة (CME) في اتجاه الأرض، يُتوقع أن يصل خلال يومين إلى ثلاثة أيام من وقوع الحدث.
وقد يؤدي هذا إلى مشاهد خلابة للشفق القطبي يمكن أن تمتد إلى خطوط عرض غير معتادة، لتُرى في مناطق من شمال الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وربما أبعد من ذلك، فيما تتأهب مراكز الأرصاد لرصد قوة العاصفة وتأثيرها على المجال المغناطيسي للأرض.
■ تأثيرات تقنية واتصالاتية
يُحذّر الخبراء من أنّ مثل هذه الانفجارات قد تُحدث تشويشًا في أنظمة الاتصالات والملاحة الجوية، لا سيما على الرحلات العابرة للقطبين، كما يمكن أن تتأثر الأقمار الصناعية العاملة في المدار المنخفض نتيجة تدفّق الإشعاعات والجسيمات عالية الطاقة.
وفي الوقت نفسه، يُرجّح أن تشهد شبكات الكهرباء في بعض الدول الشمالية تيارات أرضية مستحثّة قد تؤدي إلى إجهاد المحولات أو انقطاعات مؤقتة في التيار الكهربائي، وهو ما يستدعي جاهزية المؤسسات المعنية لرصد أي اضطرابات محتملة.
■ أسباب الانفجار والسياق العلمي للظاهرة
تحدث الانفجارات الشمسية نتيجة تكدّس الحقول المغناطيسية في مناطق البقع الشمسية النشطة، وعندما تصل هذه الحقول إلى نقطة عدم الاستقرار، تنهار فجأة مطلقة طاقة هائلة على شكل إشعاعات وجسيمات مشحونة. وفي حالة الانفجار الأخير، كانت منطقة AR 4274 في موقع قريب من مركز قرص الشمس، ما جعل الانبعاث موجّهًا مباشرة نحو الأرض تقريبًا.
ويأتي هذا الحدث ضمن الدورة الشمسية الخامسة والعشرين التي بدأت في ديسمبر 2019، وهي دورة يتزايد نشاطها تدريجيًا مع اقترابها من ذروتها المتوقعة في عام 2026. وعلى الرغم من التقديرات السابقة التي توقعت دورة متوسطة النشاط، فإن الواقع أظهر نشاطًا يفوق التوقعات، مع تكرار ظهور انفجارات قوية من الفئة X خلال العامين الماضيين، من بينها انفجار X8.7 في مايو 2024.
■ ما الذي يمكن أن يحدث لاحقًا؟
يتوقع العلماء أن تصل الموجة المغناطيسية (CME) الناتجة عن الانفجار إلى الأرض خلال 48 إلى 72 ساعة، وأن تبلغ ذروتها خلال منتصف الأسبوع، مما قد يتسبب باضطرابات في الاتصالات والأقمار الصناعية وأجهزة الملاحة، إلى جانب ظهور الشفق القطبي في خطوط العرض المتوسطة.
أما بالنسبة للبشر على سطح الأرض، فالتأثير المباشر ضئيل للغاية بفضل الغلاف المغناطيسي الواقي للكوكب، غير أنّ روّاد الفضاء والعاملين في المدار العالي قد يتعرضون لجرعات إضافية من الإشعاع. وتبقى العبرة في الجاهزية المسبقة للهيئات التقنية والاتصالية لمواجهة أي تأثيرات محتملة.
■ الحدث يفتح آفاقًا جديدة لدراسة “طقس الفضاء”
يؤكد علماء الفلك أنّ الانفجار الشمسي الأخير يمثل فرصة علمية مهمة لفهم ديناميكية الشمس بشكل أعمق، ولتحسين النماذج التنبؤية المتعلقة بـ«طقس الفضاء»، وهي التغيرات البيئية في الفضاء القريب من الأرض التي تؤثر على التكنولوجيا والبشر.
كما تتيح هذه الأحداث اختبار قدرة الأنظمة الأرضية على الصمود أمام تقلبات النشاط الشمسي، وتعزيز التعاون بين الوكالات الفضائية مثل NASA وNOAA وESA في رصد وتحليل الظواهر الشمسية.
ويبقى الانفجار الشمسي X5.1 تذكيرًا قويًا بقدرة نجمنا الأم على إحداث تأثيرات كونية هائلة تمتد آثارها إلى كوكبنا، رغم البعد الشاسع الذي يفصل الأرض عن الشمس. وبينما تستعد المراصد الفضائية لمتابعة تداعيات العاصفة المغناطيسية المحتملة، يرى العلماء أن فهم هذه الظواهر هو خط الدفاع الأول لحماية التكنولوجيا الحديثة التي أصبحت عصب الحياة اليومية على الأرض.



























