حصريٌّ لـ«الصحوة» – في قلب السواحل العُمانية الممتدة، وبين مساحاتٍ لا يزاحمها ضجيج المدن، تتشكّل واحدة من أكثر الظواهر الطبيعية غرابةً وجمالاً: البحيرات الوردية. مياه بلون الزهر، تتدرّج بين الوردي الفاتح والأحمر الدافئ، حتى تبدو وكأنها صفحةٌ من لوحةٍ فنية سقطت سهواً على رمال الساحل. وعلى الرغم من بساطة هذه الظاهرة للعين، إلا أن خلفها قصة علمية وبيئية تستحق التأمل، ومكانة سياحية ينبغي أن تُقدّر.
في ولاية الجازر بمحافظة الوسطى، تتوزّع البحيرات الوردية في مشهدٍ يخطف الأنفاس. تمتدّ بركٌ مالحة على مسافة قصيرة من الساحل، بعضها يقع قرب طرقٍ معبّدة يسهل الوصول إليها، وبعضها يحتاج المرور عبر طرق ترابية، لكن المشهد في النهاية يستحق الرحلة.
هنا، تبقى المياه شبه منعزلة عن البحر، تتغذى من المدّ ثم تنفصل عنه، لتأخذ شكل برك ضحلة تُغيّر لونها حين تتوافر الظروف: شمس قوية، ملوحة عالية، وهدوء تامّ في حركة الماء.
وفي الرويس بولاية جعلان بني بوعلي، تتكرر الظاهرة في صورةٍ لا تقل جمالاً. الطريق الطويل نحو المنطقة لا يثني الزوار عن مواصلة المسير، فهم يعرفون أنهم بعد ثلاث ساعات تقريباً من مسقط سيجدون لوناً لا يُشاهد يومياً.
وتظهر البحيرة بأبهى حلّتها عند الشروق والغروب، حيث تتضافر الزوايا الذهبية للضوء مع لون الماء الورديّ، في مشهدٍ أصبح هدفًا لعشّاق التصوير، وللأُسر التي تبحث عن تجربة هادئة خارج المدن.
وعلى الرغم من أن المشهد يبدو أشبه بخيالٍ بصري، فإن التفسير علمي بامتياز:
في المياه شديدة الملوحة، تنشط طحالب دقيقة مثل Dunaliella salina، وهي قادرة على إنتاج صبغة «بيتا كاروتين» التي تميل إلى اللون الوردي/البرتقالي.
تشاركها أحياء دقيقة أخرى محبة للملوحة، تُعرف بقدرتها على إفراز أصباغٍ بلونٍ أحمر.
ومع ارتفاع الحرارة، وزيادة التبخر، وضعف تجدد الماء من البحر، تتكدس الأملاح وتزداد كثافة هذه الكائنات الدقيقة، فيظهر اللون الوردي بوضوح لافت.
لذلك، فإن البحيرات الوردية ظاهرة موسمية تتبدّل قوتها حسب الطقس والمدّ والرياح، وهو ما يفسر الصورة المبهرة في فترات معيّنة، مقابل اختفاء اللون أحيانًا في فترات أخرى.
ولا تقف أهمية البحيرات الوردية عند حدود المشهد البصري؛ فهذه المواقع تُعدّ:
موائلاً لطيور مهاجرة، بينها الفلامنجو والطيور المائية التي تجد في هذه البرك الضحلة بيئةً هادئة وغنية بالكائنات الدقيقة. ومختبراً طبيعياً لدراسة الحياة الميكروبية في البيئات شديدة الملوحة، وهو مجال علمي مهمّ لفهم التكيفات الحيوية. ووجهة سياحية بيئية يمكن أن تضيف قيمة اقتصادية للمناطق المحيطة، خصوصًا مع تزايد شعبية السياحة القائمة على التصوير والطبيعة.
وتمثل «البحيرات الوردية» إحدى الجواهر الطبيعية التي لم تُسلّط عليها الأضواء بالشكل الكافي بعد. فهي أكثر من مجرد مشهدٍ ملون؛ إنها قصة ماء وملح وشمس، تتداخل فيها الطبيعة مع العلم، وتمنح سلطنة عُمان لوحةً فريدة تستحق أن تُعرَف، وأن تُحمى، وأن تُقدَّم كوجهةٍ سياحية بيئية تضيف بُعداً جديداً إلى خارطة الجمال العُمانية.




























