الصحوة – الدكتور سالم بن سلمان الشكيلي
يأتي الاحتفال باليوم الوطني هذا العام في حلة جديدة، وثوب قشيب، وبإطلالة متميزة . فإذا كان الاحتفال قد ارتبط في السنوات الماضية بذكرى ميلاد مفجّر وباني نهضة عمان الحديثة السلطان قابوس بن سعيد طيّب الله ثراه، فإنه يأتي هذا العام ليضيف إلى هذه المناسبة العظيمة مناسبة أخرى تتعامد وتتقاطع معها من حيث الأهمية والرمزية العتيدة، وهي ذكرى تولّي الأسرة البوسعيدية قبل أكثر من مئتين وثمانين عامًا مقاليد الحكم في البلاد، عندما تربع على عرش الحكم الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي عام ١٧٤٤م .
يُعد حُكم الأسرة البوسعيدية العريقة امتداد لحضارة وتأريخ وطن كُتب بدم وعرق العمانيين منذ دخول الإسلام إلى عمان، بل وقبل ذلك. فالتأريخ سلسلة متصلة من الحلقات تُزين بعضها بعضًا، مطلية بالفخار الذي يطاول الشمس علوًّا وضياء، ومستندًا ومستمدًّا من إرْث يفوح بعبق الماضي وعظمته، وهو إرث سيظل مصدر إلهام لا تخبو جذوته للأجيال المتعاقبة، التي تصنع حاضرًا مشرقًا ومستقبلاً واعداً بآمال كبار وطموحات أكبر؛ لأنّ العمانيين تعاهدوا وتعهدوا لأنفسهم بصناعة حضاراتهم بسواعدهم السّمْر بأنفسهم لا بسواعد غيرهم ؛ لتكون حضارة عمانية خالصة متمايزة المكان والمكانة.
والاحتفال بهذا اليوم، له من الدلالات العظيمة ما يجعل العمانيين يتحجلون النجوم شموخًا وعزًّا ، فهي تعبر عن العمق التأريخي والبعد الحضاري لهذا البلد العظيم، كما تعبر عن توثيق عميق عن ذلك الالتفاف الجمعي لأفراد الشعب العماني نحو الأسرة البوسعيدية، في مشهد يعكس الهوية واللُّحمة الوطنية والرضا بأداء هذه الأسرة، التي سطرت مع العمانيين أروع ملاحم الانسجام في البذل والعطاء والتضحية والفداء، من أجل بناء وطن يأبى إلا أن يكون في الصدارة، فلم يجد منها العمانيون إلا الألفة والمحبة والاحتواء ، وبادلهم ذلك بالنصرة والألفة والرضا بالانضواء تحت لواء حُكمهم الرشيد المجيد ، مجسدين ذلك بالفعال الناصعة، والولاء الخالص المخلص ، ليظل هذا النموذج إرثًا عمانيًّا خالصًا موسومًا بالهدوء والاستقرار .
نحن قوم لا ننسب لأنفسنا ما ليس لنا، ولا نزوّر التأريخ بمزاعم كاذبة وادعاءات مغلوطة باطلة. ولا بروايات من نسيج الخيال لتحاول سدّ نقصٍ يشعرون أنه لا ينفكّ يلازمهم، فيحاولون تزوير الوقائع، لتروي غروراً لدى عطشى الإنجازات، متناسين بجهل أو غباء أن التاريخ والحضارة امتداد جذور كامتداد الزمن السحيق، الضارب في البعد اللامتناهي، فأنّى لهم ذلك ؟!!
إن كُتب التأريخ العمانية والأجنبية تنطق بما سطره العمانيون وأُسَرهم الحاكمة من مآثر إنسانية خالدة، واصطفاف قلّ أو ندر نظيره بين الحُكم والشعب، والمتاحف والمكتبات العالمية كما في الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة ، بل في السلطنة وغيرها من المكتبات الشهيرة تعج بالوثائق المحفوظة ، كلها تثبت السيطرة والسيادة العمانية على كثير من البلاد على مدار قرونٍ حكم فيها اليعاربةُ والبوسعيديون. وليس أفضل من أن يؤكد ذلك من البرتغاليين والفرس الذين لاقوا من العمانيبن الويل والثبور وعظائم الأمور، ولْتستُنطَق بحار عمان والخليج والمحيط الهندي وسواحل شرق أفريقيا، عن مآثر العمانيين وصولاتهم وجولاتهم ، وقد وجدناهم أقوامًا يذكرون الوقائع والحقائق لا ينكرونها ، على النقيض منهم، هناك قوم لا همّ لهم إلا محاولة الانسلاخ من الماضي؛ ظناً منهم أنهم قادرون على طمْس الحقائق وتشويه التأريخ بحكاوي خيالية على شاكلة قصة الحورية الصغيرة التي أرادت أن تتحول إلى بشرية. لكنه يظل أضغاث أحلام أنَّى لها تحقيق ذلك !!؟
وأمام هذا المنعطف التأريخي المتأزم، ونحن نستحضر هذه المناسبة، يجب أن نتمسك بالعروة الوثقى التي تمسكنا بها دومًا، وحافظت على أمن واستقرار ووحدة وسيادة سلطنة عمان، لنبني عمان يداً بيد حكاماً ومحكومين في رباط يجمع ويُوحد، نواجه تحديات العصر بأنواعها المختلفة الفكرية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وعلينا أن نقترب من بعضنا أكثر في الرؤى والأفكار، والطموحات التي نرجوها، وأن نصنع حاضرنا بمزيد من الإنجازات في العديد من مجالات العلوم والأدب والفنون والتكنولوجيا والاجتماع والاقتصاد، فالماضي وإنجازات الأوائل هي طريق الحاضر والمستقبل، متسلحين بيقين ثابت وإرادة صلبة تشعل لنا دروب الإنجاز التي اعتدنا على تحقيقها، وعرفَنا العالَم بها.
إن العمانيين بكل انتماءاتهم وطوائفهم القبلية والمناطقية والمذهبية، مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى، بنَبذ التفرق والانتماءات الضيقة والفئوية، لتكون عمان هي الانتماء الأوحد، ومصلحة عمان هي التي نجتمع حولها ومن أجلها، تحت قيادة الطود الأشمّ، سليل المجد الأكرم، صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم،
وليكن شعارنا مقولة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه : “لا تصغرنّ همتُكم، فإني لم أرَ أقعدَ عن المكرُمات من صِغَر الهمم”





























