الصحوة – علي الحداد
يا لها من صورة .. ويا لها من لحظةٍ ..
لو مرّت بها الريحُ لتوقّفت،
ولو عبرها الضوءُ لثقل،
ولو سمعها التاريخُ لأطرقَ برأسه إجلالًا.
في القصر الذي يقطر رخامُه من ذاكرة السلاطين،
وتتنفّس جدرانُه عبقَ الذين مرّوا من هنا،
يهبط المشهدُ برداءٍ من نور،
كأنّه سطرٌ من ملحمةٍ
تأخّر تدوينُها
حتى اكتملت كلُّ مفردةٍ في مكانها.
يقف السلطان هيثم المعظم — أيّده الله —
كأنّه فجرٌ يمشي على قدمين،
هيبةٌ لا ترفع صوتها،
لكنّها ترفع الليل عن صدر الوطن،
سليلُ السلالة التي إذا عبرتْ
انحنى الطريقُ احترامًا.
وأمامه يقف معالي السيّد بدر،
ابنُ الشجرة التي تنبتُ مجدًا،
ساريةُ الحكمةِ حين تُهدهد العواصف،
وخطوٌ يمضي كأنّ وراءه سرًّا كبيرًا
لا يُكشف إلّا حين تشتدّ الحاجة.
ما أبهى أن تتصافح اليدان:
يد القيادة والقرار،
ويد الدبلوماسية،
وكلاهما من غصن الإمام المؤسّس
الذي علّم الحجرَ كيف ينهض،
وعلّم الرجالَ كيف يُمسكون بزمام المستقبل.
يا لهاتين اليدين ..
إحداهما تمنح،
والأخرى تتلقّى،
وفي الفراغ بينهما
تعبر عُمانُ كنسمةٍ منسوجةٍ بالذهب.
وفي اليد التي يمدّها معالي السيّد بدر،
ما يشبه البيعة،
وما يشبه تجديد الولاء للقائد،
والسلطان،
وللوطن الذي يكبر به،
وما يشبه عهدًا لا يحتاج إلى كلمات،
كأنّ الأصابع نفسها تنطق
وتقول للسلطان:
نحنُ على الدرب ..
ما بقيتَ أنتَ رايةً،
وبقي الوطنُ عهدًا لا ينكسر.
ليس وسامًا ما نراه،
بل نجمةٌ تهبط على صدر سيّد المعالي،
كأنّ السماء وضعت ختمها عليه.
ليس تكريمًا، بل اعترافٌ
بأنّ بعض الرجال
يخرجون من دائرة المناصب
إلى دائرة المعنى.
في هذه اللحظة
يغدو معالي السيّد بدر
ليس منصبًا في دولة فقط، بل عقلًا من عقولها الرفيعة،
وساريةَ فكرٍ تستقيم بها الدبلوماسية،
وسطرًا من سطور الحكمة
يُروى في مجالس الحكماء،
وقامةً تظلّل السياسةَ إن جفّت ظلالُها.
وفي هذه اللحظة
يبدو السلطان
ليس مانحًا للوسام،
بل راعيًا لنورٍ يتدفّق،
وبانيًا لجسرٍ من الثقة
يمتدّ من قلبه إلى قلب عرّاب الأوفياء.
ولا يعرف قدر الرجال إلا الرجال
يا لهذه الصورة ..
لو كانت قصيدة
لكانت البحرَ الطويل،
ولو كانت غيمة
لكانت مطرًا يوقظ الجبال،
ولو كانت وطنًا
لكانت عُمان نفسها.
إنها صورة
تحمل صدق المشاعر
وجمال الأرواح،
لم تُلتقط بعدسةٍ فحسب،
بل التقطتها ذاكرةُ المكان،
وحفظتْها الملائكةُ
في دفاتر الزمان.
وهكذا ..
في رفةِ يدٍ سلطانية،
وفي انحناءةِ تقديرٍ نبيلة،
وبين القائد والمسؤول
تُولَد لحظةٌ تعرف أنّها ستبقى،
وتعرف أنّ أبناءها سيروونها
كما تُروى معجزاتُ السلالة البوسعيدية،
حين تلتقي قمّتان من بيتٍ واحد،
على أرضٍ واحدة،
تحت رايةٍ لا تنحني .. اسمها عُمان



























