الصحوة – المهندس أحمد بن إبراهيم النقبي
تُعدّ التنمية المستدامة هدفًا محوريًا تسعى إليه الأمم، وتُرسم لأجلها الخطط الطموحة وتُخصص الميزانيات الضخمة.
لكن، في خضم هذه الجهود يظل هناك سؤال جوهري يجب أن يُطرح دائمًا: لمن هذه التنمية، وأين يتجلى أثرها؟
إن الإجابة الواضحة والصريحة هي أنَّ المواطن ورفاهيته هما المؤشر الرئيس والأكثر صدقًا على أن التنمية تسير في الاتجاه الصحيح. ففي كثير من الأحيان، يتم اختزال نجاح التنمية في الأرقام الاقتصادية الكلية مثل نمو الناتج المحلي الإجمالي أو حجم الاستثمارات الأجنبية، ورغم أهمية هذه المؤشرات، إلا أنها تظل أدوات قياس جزئية.
فالنمو الاقتصادي الذي لا يترجم إلى تحسّن ملموس في حياة المواطن العادي هو نمو “أجوف” لا يحقق الهدف الأسمى من التنمية وهو بناء الإنسان وتحقيق سعادته واستقراره.
إنَّ الرفاهية التي نتحدث عنها لا تعني فقط زيادة الدخل الفردي، بل هي مفهوم شامل يتجسد في التالي:
* جودة الخدمات الأساسية: توفّر تعليم ممتاز ورعاية صحية متقدمة وسهولة الوصول إليها.
* نوعية الحياة: بيئة نظيفة ومستدامة، وأمن اجتماعي، وتوافر فرص للترفيه والنمو الثقافي.
* التمكين والمشاركة: شعور المواطن بأن له دورًا فعّالًا في صنع القرار وإتاحة فرص العمل الكريم والإنصاف في توزيع الثروة.
عندما تبدأ نتائج التنمية في الظهور عبر انخفاض معدلات الباحثين عن عمل بين الشباب وارتفاع مستوى المعيشة للفئات الأكثر احتياجًا، وتجويد الخدمات وتقليل البيروقراطية الادارية ومنح التسهيلات اللازمة لأصحاب الأعمال والشركات الصغيرة والمتوسطة ومساندتها، هنا فقط يمكننا القول إنَّ الجهود التنموية قد أصابت الهدف.
إن المواطن، بتجربته اليومية، هو البوصلة الحقيقية التي تحدد مدى انحراف أو استقامة المسار التنموي. فما الفائدة من الاعلان عن مشاريع ضخمة إذا كان المواطن لا يزال يعاني من ضيق الحال وقلّة فرص العمل وبطء في الخدمات أو صعوبة في التنقل اليومي؟ وما قيمة ارتفاع الناتج المحلي إذا كانت الفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع باستمرار؟
لذلك، يجب أن تكون مستهدفات التنمية مُشتقة من احتياجات المواطن وموجهة لخدمته مباشرة وينبغي أن يتحوّل التركيز من ماذا حققت الدولة من مشاريع؟ إلى ماذا تغير في حياة المواطن نتيجة لهذه المشاريع؟!.
عليه ولضمان أن تنعكس التنمية على رفاهية المواطن، يجب على صُنّاع القرار تبنّي المنهجيات التالية:
– تبنّي مؤشرات رفاهية شاملة: الابتعاد عن الاعتماد الكلي على المؤشرات الاقتصادية البحتة، واعتماد مؤشرات ذات صلة مباشرة بأحوال المواطن كمؤشر التنمية البشرية وتوفر فرص العمل وبالتالي انخفاض اعداد الباحثين عن عمل، ومؤشرات جودة الخدمات ورضاء المتعاملين.
– التخطيط بالمشاركة: إشراك المواطنين والمجتمع المدني في مراحل التخطيط والتنفيذ والتقييم لضمان تلبية التنمية لاحتياجاتهم الحقيقية.
– العدالة في التوزيع: وضع سياسات واضحة تضمن عدالة توزيع مكتسبات التنمية بين المناطق الجغرافية والفئات الاجتماعية المختلفة والأفراد.
في الختام نود التأكيد على إنَّ أي خطة تنموية لن تكتسب شرعيتها واستدامتها وتثبت فاعليتها إلا عندما يلمس المواطن أثرها في جيبه، وفي صحته، وفي تعليم أبنائه، وفي شعوره بالأمان والتقدير فالمواطن هو الغاية والوسيلة، وهو المقياس الذي لا يُخطئ لنجاح التنمية أو فشلها.



























