حصريٌّ لـ«الصحوة» – لم يكن نجاح اتفاق تبادل الأسرى في اليمن، الذي جرى التوصل إليه في مسقط، حدثًا منفصلًا عن سياقه السياسي والدبلوماسي، بل جاء امتدادًا لنهج عُماني راسخ في إدارة الأزمات الإقليمية، يقوم على الهدوء، والحياد، وبناء الثقة بعيدًا عن الاستقطاب والضغوط. وهو نهج جعل من سلطنة عُمان وسيطًا مقبولًا في ملفات عجزت أطراف أخرى عن تحقيق اختراقات حقيقية فيها.
وتُعد الحيادية العُمانية أحد أبرز عناصر القوة في دبلوماسية سلطنة عُمان، إذ التزمت مسقط، منذ اندلاع الأزمة اليمنية، بموقف متوازن لم ينخرط في مسار المواجهة العسكرية، ما منحها هامشًا أوسع للتواصل مع مختلف الأطراف دون أن تُحسب على أي محور. هذا الحياد لم يكن موقفًا سلبيًا، بل خيارًا استراتيجيًا مكّن سلطنة عُمان من أداء دور الوسيط القادر على الاستماع للجميع ونقل الرسائل بين الفرقاء بثقة متبادلة.
كما تميّزت الوساطة العُمانية بابتعادها عن توظيف الملفات الإنسانية لأغراض سياسية أو إعلامية. فمسقط اعتادت العمل بصمت، وتفضّل ترك النتائج تتحدث عن نفسها، دون بيانات تصعيدية أو استعراض دبلوماسي. هذا الأسلوب منح الأطراف المتنازعة شعورًا بالطمأنينة، وأزال هواجس استغلال الوساطة لتحقيق مكاسب سياسية أو دعائية، وهو عامل حاسم في إنجاح أي مسار تفاوضي حساس، لا سيما في ملف شائك كملف الأسرى.
ويستند هذا النهج إلى سجل عُماني طويل في الوساطات الإقليمية، حيث سبق لسلطنة عُمان أن أدت أدوارًا محورية في ملفات بالغة التعقيد، من بينها تسهيل قنوات التواصل بين الولايات المتحدة وإيران في مراحل حساسة من المفاوضات النووية، إضافة إلى استضافتها جولات تفاوض يمنية متعددة خلال السنوات الماضية، سواء في ملفات إنسانية أو في محاولات خفض التصعيد. هذا التاريخ التراكمي عزّز صورة سلطنة عُمان كوسيط موثوق لا يبحث عن الأضواء، بل عن حلول قابلة للتنفيذ.
ويفسّر هذا السجل سبب اختيار مسقط المتكرر كمقر للمفاوضات الحساسة. فالعاصمة العُمانية توفّر بيئة محايدة وآمنة، بعيدة عن الضغوط الإقليمية المباشرة، وتتيح للأطراف مساحة للحوار الهادئ دون شروط مسبقة. كما أن العلاقات المتوازنة التي تربط سلطنة عُمان بمختلف الفاعلين الإقليميين والدوليين، تمنحها قدرة فريدة على جمع أطراف متباينة حول طاولة واحدة، في وقت تتعثر فيه مبادرات أخرى بسبب غياب الثقة أو تضارب الأجندات.
وفي مقارنة غير مباشرة مع محاولات وساطة أخرى، يرى مراقبون أن فشل بعض المبادرات يعود إلى انخراط الوسطاء في حسابات سياسية أو اصطفافات إقليمية، أو إلى ربط الملفات الإنسانية بمطالب سياسية معقّدة، ما يؤدي إلى تعقيد المشهد بدل تفكيكه. في المقابل، ركّزت الدبلوماسية العُمانية على الإنسان كمدخل للحل، معتبرة أن بناء الثقة عبر القضايا الإنسانية قد يفتح لاحقًا نوافذ أوسع للتسويات السياسية.
ويأتي اتفاق تبادل الأسرى الأخير ليؤكد مجددًا فاعلية هذا النهج، إذ لم يُنظر إليه فقط كإنجاز إنساني كبير، بل كرسالة سياسية مفادها أن الحلول الهادئة لا تزال ممكنة، وأن الدبلوماسية القائمة على الاحترام المتبادل وعدم الإملاء قادرة على تحقيق اختراقات ملموسة، حتى في أكثر النزاعات تعقيدًا.
وفي المحصلة، تُظهر التجربة العُمانية أن النجاح في الوساطة لا يرتبط بحجم النفوذ أو مستوى الضجيج الإعلامي، بل بقدرة الدولة على بناء الثقة، وصون الحياد، وإدارة الحوار بصبر وحكمة. وهو ما جعل من سلطنة عُمان عنوانًا للدبلوماسية الهادئة، ووجهة مفضلة للأطراف الباحثة عن حلول حقيقية، لا عن انتصارات مؤقتة، في ملفات إقليمية شديدة الحساسية، وفي مقدمتها الملف اليمني.



























