الصحوة – علي الحداد
في النزاعات الممتدة والمعقّدة، لا تُقاس قيمة الاتفاقات بما تُثيره من ضجيج سياسي أو صدى إعلامي، إنما بما تُحدثه من أثر فعلي في تخفيف المعاناة وفتح مسارات هادئة داخل مشهد يضج بالصراع. ومن هذا المنظور، يكتسب اتفاق تبادل الأسرى في اليمن، الذي جرى في العاصمة العُمانية مسقط، دلالته الأعمق بوصفه خطوة إنسانية مدروسة ذات بعد سياسي متزن، أعادت الأمل لآلاف العائلات، وأثبتت أن السياسة، حين تُدار بعقلانية، قادرة على ملامسة الإنسان دون أن تفقد اتزانها أو وظيفتها الأساسية.
لقد برزت مسقط في هذا السياق مساحة دبلوماسية متزنة تُدار فيها الملفات الحساسة بدرجة عالية من الانضباط والهدوء، وبمقاربة تضع الاستقرار والنتائج العملية في صدارة الأولويات. فلم تكن مجرد ساحة لاستضافة المباحثات، إنما بيئة سياسية قادرة على استيعاب التعقيدات وإدارة التباينات وتخفيف حدّة التوتر، بعيدًا عن منطق التصعيد أو توظيف الأزمات في الصراع المفتوح.
وتقوم السياسة والدبلوماسية العُمانية على مقاربة هادئة وعقلانية في إدارة الأزمات المعقّدة، تنطلق من فهم عميق لطبيعة الصراعات وتشابكاتها، وتسعى إلى تهدئتها لا إلى استثمارها. فمن خلال تدخل محسوب ومتدرّج، تعمل عُمان على محاصرة التوترات قبل أن تنفلت، انطلاقًا من إدراك راسخ بأن الاستقرار ليس حالة سكون عابرة، بل أحد أعلى أشكال القوة السياسية، وأن الوساطة، حين تُمارَس بحكمة واتزان، تمثل فعل نفوذ وتأثير إقليمي ودولي.
ويأتي هذا النهج في إطار التوجيهات السامية والحرص المباشر لحضرة صاحب الجلالة السلطان
هيثم بن طارق المعظّم، حفظه الله ورعاه، الذي أولى السياسة الخارجية العُمانية عناية خاصة، بوصفها ركيزة من ركائز الاستقرار الإقليمي وبناء جسور الحوار. فقد أرست الرؤية السامية لجلالته مسارًا دبلوماسيًا يقوم على الحكمة، وعدم الانخراط في الاستقطاب، وتغليب الحلول السياسية والإنسانية بوصفها خيارات استراتيجية لا ظرفية.
وفي قلب هذا الأداء المتزن، يبرز الدور المؤسسي الذي اضطلعت به وزارة الخارجية العُمانية، باعتبارها الإطار المنظِّم لهذا المسار، والمحرّك الهادئ لإدارة الملفات الحساسة بعيدًا عن الأضواء. فقد تعاملت الوزارة مع ملف تبادل الأسرى بوصفه قضية إنسانية عالية الحساسية، تتطلب دقة سياسية، وصبرًا استراتيجيًا، وقدرة على الموازنة بين تعقيدات النزاع اليمني وتشابكاته الإقليمية، بما يضمن بقاء الاتفاق في إطاره الإنساني، ويحول دون تسييسه أو تعطيله.
وفي هذا السياق، يبرز الدور القيادي لمعالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي، وزير الخارجية، الذي يجسّد الدبلوماسية العُمانية في اتزانها وعمقها، بوصفه مفكرًا استراتيجيًا ومهندسًا هادئًا للسياسة الخارجية العُمانية والعربية المعاصرة. فقد قاد معاليه هذا الملف ضمن رؤية تقوم على فهم عميق لطبيعة النزاعات المركّبة، وعلى إدارة الأزمات عبر مسارات تراكمية هادئة، يكون البعد الإنساني فيها مدخلًا عقلانيًا لتخفيف حدّة التوتر، وبناء الثقة، وتهيئة أرضية أكثر واقعية للحلول.
ويُحسب لهذا النهج أنه أعاد تعريف الوساطة لا بوصفها موقفًا حياديًا جامدًا، إنما كفعل سياسي واعٍ يقوم على هندسة التوازنات، واحترام خصوصيات الأطراف، وتقديم عُمان وسيطًا موثوقًا حين تتعثر القنوات التقليدية وتضيق مسارات الحوار. وبهذا المعنى، لم تكن استضافة المباحثات في مسقط حدثًا استثنائيًا، بل امتدادًا طبيعيًا لدور سياسي رسّخته عُمان عبر سنوات من العمل الهادئ والمسؤول.
ويُعد اختيار ملف الأسرى مدخلًا إنسانيًا مدروسًا إلى ملف سياسي بالغ التعقيد، كونه يمس حياة آلاف العائلات بشكل مباشر، ويجمع بين كونه من أكثر الملفات حساسية سياسيًا وأشدّها أثرًا اجتماعيًا. ولم يكن الإفراج عن الأسرى إجراءً إداريًا بقدر ما كان خطوة إنسانية تركت أثرًا عميقًا في المجتمع، وأسهمت في تهدئة الخطاب العام، وفتحت نافذة واقعية أمام إمكانات التفاهم، مستعيدة الأمل لعائلات أنهكها الانتظار الطويل.
وقد لقي هذا المسار ترحيبًا وتقديرًا إقليميًا، حيث ثمّنت المملكة العربية السعودية الجهود الصادقة التي بذلتها سلطنة عُمان في استضافة ورعاية المباحثات، مؤكدة أن الاتفاق يمثل إسهامًا مهمًا في تخفيف المعاناة وبناء الثقة. كما رحّبت سلطنة عُمان رسميًا بالاتفاق، مشيدة بتعاون الأطراف كافة، وبجهود مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، واللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وعلى المستوى الدولي، حظي هذا المسار بتقدير أممي، إذ أشاد هانس غروندبرغ، المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، بالدور الذي اضطلعت به سلطنة عُمان في استضافة وتيسير مفاوضات تبادل الأسرى، مؤكدًا أن هذا الاتفاق الإنساني أسهم في تخفيف المعاناة، وتعزيز إجراءات بناء الثقة بين الأطراف، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة لدفع المسار السياسي قدمًا.
وعلى المستوى الأوسع، يعكس هذا الاتفاق تحوّلًا متزايدًا في مقاربة النزاع إقليميًا، باتجاه البحث عن مسارات تقلّل من كلفة الصراع وتفتح أفقًا أكثر واقعية لمعالجته، في ظل مشهد يمني لا يحتمل مزيدًا من الاستنزاف أو الإطالة.
وتكمن الأهمية الأعمق لما تحقق في مسقط في الرسالة التي يحملها، ومفادها أن النزاعات المعقّدة لا تُحل بخطوة واحدة، بل عبر مسارات تدريجية تُخفف المعاناة وتعيد بناء الثقة. فالسلام ليس فعلًا طارئًا، بل عملية تراكمية تبدأ بإجراءات محسوبة يكون الإنسان في صلبها لا على هامشها.
وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى اتفاق تبادل الأسرى بوصفه محطة عابرة، بل لبنة أساسية في مسار أطول، إذا ما أُحسن استثماره وحُمي من التسييس أو التعطيل. فقد أثبتت الدبلوماسية العُمانية التي قادت هذا المسار أن الحكمة، حين تُقترن بالواقعية، قادرة على فتح آفاق كان يُظن أنها موصدة.
وإذا كان الوصول إلى سلام شامل في اليمن لا يزال هدفًا معقّدًا، فإن ما تحقق في مسقط يؤكد أن هذا الهدف لم يغب عن الأفق، وأن تقليل معاناة الإنسان يظل المدخل الأكثر واقعية لإعادة السياسة إلى معناها الأصيل .. إدارة الخلاف بعقلانية، وبناء الاستقرار بوصفه خيارًا استراتيجيًا حتميًا لا غنى عنه.



























