الصحوة – علي الحداد
تتقدّم الدول الواثقة إلى المستقبل حين تتحوّل قراراتها من استجابة للظرف إلى صناعة للمسار، وحين يصبح التخطيط فعل سيادة لا مجرّد إدارة. ومن هذا الوعي العميق، جاء التوجّه العُماني نحو إنشاء مركز مالي عالمي، بوصفه خطوة تعكس نضج الدولة في فهم تحولات الاقتصاد الدولي، وإيمانها بأن الحضور الفاعل لا يُصنع بالمصادفة، إنما بالرؤية، وبناء المؤسسات، وترسيخ الثقة.
وفي هذا السياق، أقرّ مجلس الوزراء، في اجتماعه الذي ترأسه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، إنشاء مركز عُمان المالي العالمي، ليكون أحد أعمدة التحول الاقتصادي، ومنصة استراتيجية تُعيد تموضع سلطنة عُمان في خارطة المال والأعمال إقليميًا ودوليًا، ضمن رؤية متكاملة لا تنفصل فيها السياسة الاقتصادية عن مشروع الدولة الحضاري.
لقد أدركت الدولة العُمانية، وهي تقرأ تحولات الاقتصاد الدولي وتبدّل موازين القوة المالية، أن وجود مركز مالي عالمي لم يعد خيارًا تكميليًا، بل ضرورة استراتيجية للمساهمة في تحقيق التنويع الاقتصادي، وتعزيز مساهمة القطاع المالي في الناتج المحلي الإجمالي، واستقطاب رؤوس الأموال، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمارات والبنوك التجارية والمؤسسات المالية العالمية، المتخصصة في الخدمات المصرفية التجارية والإسلامية، والخدمات المالية والتأمينية، وما يرتبط بها من أنشطة مساندة. كما أدركت أن القيمة الحقيقية لأي مشروع اقتصادي لا تكتمل دون نقل المعرفة، وبناء القدرات، وإيجاد وظائف نوعية عالية القيمة، تُعيد الاعتبار للإنسان بوصفه محور التنمية وغايتها.
ومن هذا الوعي المتراكم، جاء إنشاء مركز عُمان المالي العالمي ككيان يتمتع باستقلالية تشريعية وإدارية وتنظيمية، ويُبنى على نظام مالي وقضائي وتشريعي حديث، مواكب لأرقى المعايير العالمية، بما يعزز الثقة، ويكرّس اليقين القانوني، ويؤسس لبيئة أعمال مستقرة قادرة على استقطاب الاستثمارات طويلة الأمد، لا الباحثة عن الربح السريع فقط، بل عن الشراكة المستدامة.
وعُمان، التي لم تعرف الاندفاع في خياراتها المصيرية، لم تلجأ إلى استنساخ التجارب الجاهزة، إنما اختارت أن تستوعب جوهر التجربة العالمية، ثم تعيد صياغتها بما ينسجم مع خصوصيتها الوطنية، واستقرارها السياسي، وعمقها الحضاري. فالمركز المالي العالمي ليس مجرد مساحة أعمال، بل انعكاس لفلسفة دولة تؤمن بأن العدالة الناجزة، والتنظيم الرشيد، والحوكمة الصارمة، هي أساس الجاذبية الحقيقية، وأن الثقة هي العملة الأعلى قيمة في عالم المال.
وهذا التحول لا ينفصل عن المسار الأشمل الذي رسمته رؤية عُمان 2040، تلك الرؤية التي لم تُكتب لتكون شعارًا، بل لتقود القرار، وتضبط الإيقاع، وتعيد ترتيب الأولويات. رؤية أرادت لعُمان اقتصادًا متنوعًا، مرنًا، قادرًا على المنافسة، ومحصنًا أمام التقلبات، يكون فيه الإنسان العُماني جوهر التنمية، وغايتها، ومقياس نجاحها.
وليناير في الذاكرة العُمانية مقامٌ خاص، فهو ليس شهرًا عابرًا في تقويم الزمن، بل لحظة تحوّل وطني عميقة الدلالة. ففي يناير، تسلّم حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم، فدخلت عُمان عهدًا جديدًا كُتب بالحكمة لا بالاندفاع، وبالعقل لا بالانفعال، عهدًا لم يقطع مع الماضي، بل بنى عليه، ولم يخاصم التاريخ، بل استحضره ليصوغ به المستقبل.
كان يناير لحظة انتقال هادئة في ظاهرها، عميقة في معناها، سلّم فيها التاريخ رايته لقائدٍ أدرك منذ اللحظة الأولى أن أعظم ما يُمنح للوطن هو الاستقرار، وأن أثمن ما يُصان هو الإنسان، وأن القيادة الحقّة لا تبدأ من المنصات، إنما من قراءة الواقع بصدق، ورسم الطريق بصبر، والعمل بصمت. ومنذ ذلك يناير، بدأت ملامح عهدٍ يتشكّل برويّة، تُراجع فيه السياسات، وتُعاد فيه صياغة الأولويات، ويُقدَّم فيه المواطن بوصفه الغاية قبل الوسيلة.
ولم يكن يناير شهر تسلّم مسؤولية فحسب، إنما شهر تثبيت منهج، حيث وُضعت أسس الدولة الحديثة على قاعدة التوازن بين الإصلاح والاستقرار، وبين الطموح والواقعية، وبين الانفتاح والحفاظ على الثوابت. ومن يناير إلى يناير، تراكمت القرارات العميقة لا الصاخبة، وتقدّم العمل المؤسسي على العناوين، وبدأت عُمان تتحرك بثبات نحو حضورٍ إقليمي ودولي يعكس وزنها الحقيقي، لا ضجيجها.
وفي قلب هذا التحول التاريخي، تقف القيادة بهدوء الواثق.
فالسلطان هيثم بن طارق المعظم يقود عُمان بعقلٍ استراتيجي يرى في الاقتصاد أداة لتمكين المواطن، لا غاية منفصلة عنه، ويؤمن أن الدولة القوية هي تلك التي تجعل رفاه الإنسان معيار نجاحها الأول. لم تكن قراراته بحثًا عن إنجازٍ سريع، بل تأسيسًا لنهضة مستدامة، تضع المواطن في صدارة الأولويات، وتحفظ التوازن بين النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.
لقد أعاد هذا العهد تعريف معنى القيادة، قيادة تبني المؤسسات قبل المشاريع، وتُرسّخ المنهج قبل النتائج، وتعمل بصمت لتتحدث الأرقام لاحقًا. قيادة ترى أن نهضة عُمان لا تكتمل إلا حين يشعر المواطن بالأمان الوظيفي، والفرص العادلة، والمشاركة الحقيقية في صناعة المستقبل. ومن هنا، فإن مركز عُمان المالي العالمي ليس مشروع نخبة، بل رافعة وطنية، ستنعكس آثارها على سوق العمل، وعلى بناء الكفاءات، وعلى مكانة عُمان الإقليمية والعالمية.
وهكذا تمضي عُمان، لا مسرعة حدّ التهوّر، ولا متباطئة حدّ التردّد، إنما ثابتة الخطى، واضحة الوجهة، يقودها سلطان اختار أن يكتب مستقبل وطنه بالحكمة لا بالاندفاع، وبالرؤية لا بردّة الفعل. تمضي وهي تدرك أن موقعها في العالم لا يُمنح، بل يُبنى، وأن النهضة الحقيقية لا تقوم على الثروة وحدها، بل على العقل الذي يُحسن إدارتها، والقيادة التي تجعل الإنسان قبل الأرقام، والمواطن قبل المؤشرات.
وسيكتب التاريخ أن هذا العهد كان زمن القرارات العميقة لا الصاخبة، وزمن التحولات الهادئة التي غيّرت البنية من الجذور، وزمن قائدٍ حمل أمانة الدولة بعقل العالم، وقلب المواطن، فقاد عُمان إلى أفقٍ أوسع، ونهضةٍ إقليمية وعالمية تليق بتاريخها، وتصنع مستقبل أبنائها بثقة واستدامة.
حفظ الله عُمان،
وحفظ قائدها،
وأدام على هذه الأرض نعمة القيادة الرشيدة،
ونعمة الوطن الذي يعرف طريقه إلى الغد.




























