حصريٌّ لـ«الصحوة» – في ذكرى تولي جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم مقاليد الحكم، لا يمكن قراءة مسار الأعوام الستة الماضية بمعزل عن أحد أبرز التحولات العميقة التي شهدتها الدولة العُمانية، وهو الانتقال المدروس نحو اللامركزية وتمكين المحافظات بوصفه خيارًا استراتيجيًا لبناء تنمية أكثر عدالة وكفاءة واستدامة.
منذ الحادي عشر من يناير 2020، دخلت سلطنة عُمان مرحلة جديدة من العمل الوطني، اتسمت بالهدوء في الخطاب، والعمق في القرار، والدقة في التنفيذ. وقد كان واضحًا منذ البدايات أن الرؤية التي يقود بها جلالة السلطان المرحلة لا تكتفي بإدارة الحاضر، بل تؤسس لمستقبل مختلف في أدواته ومنهجه، يقوم على إعادة توزيع الأدوار، وتوسيع دوائر المشاركة، والانتقال من مركزية القرار إلى حوكمة محلية فاعلة تنبع من المحافظات وتعود بالنفع على الوطن بأكمله.
لقد شكّلت اللامركزية أحد المرتكزات العملية لهذا التحول، ليس كشعار إداري، بل كمشروع دولة متكامل. فجاء صدور نظام المحافظات ليمنح الإدارات المحلية شخصية اعتبارية واستقلالًا ماليًا وإداريًا، ويُعيد تعريف دور المحافظ من كونه ممثلًا إداريًا إلى قائد تنموي، يخطط ويقترح ويُتابع ويحاسب، ضمن إطار وطني منسجم مع السياسة العامة للدولة. هذا التحول أعاد رسم العلاقة بين المركز والمحافظات، على أساس التكامل لا التبعية، والمسؤولية لا التنفيذ الآلي.
وفي سياق هذا النهج، برز تمكين المحافظات ماليًا كخطوة محورية تُجسّد الثقة في قدرة الإدارات المحلية على إدارة التنمية. فالتوجيهات السامية برفع المخصصات السنوية لتنمية المحافظات إلى عشرين مليون ريال عُماني لكل محافظة، لم تكن مجرد زيادة رقمية، بل رسالة سياسية وتنموية واضحة مفادها أن التنمية تُصنع من الميدان، وأن خصوصية كل محافظة هي مدخلها الحقيقي للنمو. وقد أتاح ذلك تنفيذ مئات المشاريع التنموية التي لامست احتياجات المجتمع، وحرّكت الاقتصاد المحلي، ووفرت فرص عمل، وعززت جودة الحياة في الولايات.
ولم تكتفِ الدولة بالتمويل، بل دعمت هذا المسار بأدوات حوكمة مبتكرة، من خلال اشتراط الخطط التنفيذية السنوية، وربط المشاريع بالأولويات الاقتصادية، وتعزيز دور المحافظ في المتابعة والتنسيق بين الجهات الحكومية. وهنا تتجلى فلسفة اللامركزية العُمانية بوصفها لامركزية مسؤولة، تقوم على التفويض المقترن بالمحاسبة، والمرونة المرتبطة بالانضباط.
وفي بعدٍ أكثر عمقًا، جاءت مسابقة تنمية المحافظات لتضيف بُعدًا تنافسيًا خلاقًا لهذا المسار، حيث تحولت المحافظات من متلقٍ للدعم إلى منتِج للأفكار والمشاريع النوعية، القادرة على استقطاب الاستثمار واستثمار الميزة التنافسية لكل محافظة. وقد أثبتت المشاريع الفائزة في نسخ المسابقة أن التخطيط المحلي، حين يُمنح الثقة والمساحة، قادر على إنتاج نماذج تنموية مبتكرة ذات أثر اقتصادي وسياحي واجتماعي مستدام.
كل هذه التحولات لا يمكن فصلها عن الإطار الأشمل الذي رسمته رؤية عُمان 2040، والتي وضعت تنمية المحافظات في صميم أولوياتها، باعتبارها شرطًا لتحقيق التوازن التنموي، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وبناء اقتصاد متنوع تقوده المحافظات جنبًا إلى جنب مع المركز. لقد جاءت سياسات اللامركزية خلال السنوات الست الماضية ترجمة عملية لهذه الرؤية، وانتقالًا بها من الوثيقة إلى الواقع.
وفي ذكرى تولي جلالة السلطان مقاليد الحكم، يمكن القول إن اللامركزية في سلطنة عُمان لم تعد مشروعًا قيد التجربة، بل مسارًا راسخًا يتطور بثبات، ويعيد تشكيل الدولة الحديثة بمنطق أكثر قربًا من المواطن، وأكثر قدرة على الاستجابة، وأكثر انسجامًا مع متطلبات التنمية المستدامة. إنها ست سنوات لم تُحدث ضجيجًا، لكنها صنعت فرقًا، ورسّخت قناعة وطنية بأن قوة الدولة لا تُقاس بتركيز القرار، بل بحُسن توزيعه، ولا تُبنى من المركز وحده، بل من كل محافظة، وكل ولاية، وكل فكرة تُمنح الفرصة لتتحول إلى واقع.



























