حصريٌّ لـ«الصحوة» – في خطوة تعكس نهجًا متواصلًا لتعزيز كفاية شبكة الأمان الاجتماعي وتوجيهها بدقة أعلى نحو الفئات الأكثر احتياجًا، جاءت المباركة السامية الصادرة اليوم الأحد 11 يناير 2026 على تعديل أحكام بعض منافع الحماية الاجتماعية، لتقدّم مجموعة تغييرات محددة وواضحة على آليات الاستحقاق والاحتساب، مقارنةً بما قرّره قانون الحماية الاجتماعية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 2023/52 بتاريخ 19 يوليو 2023. وتكمن أهمية هذه التعديلات في أنها لم تطرح «منافع جديدة» بقدر ما أعادت ضبط «معايير العدالة والاستهداف» داخل منافع قائمة، بما يضمن اتساقها مع الواقع المعيشي للفئات المستحقة، ويقلّص حالات التداخل أو الاحتساب الذي قد يضعف قيمة الدعم لبعض الحالات.
أول التحولات التي جاءت بها المباركة السامية ارتبطت بمنفعة كبار السن البالغة 115 ريالًا عمانيًا. فبينما نص القانون صراحة على قيمة المنفعة وشروطها الأساسية دون تضمين معيار «سقف الدخل» ضمن مواد منفعة كبار السن نفسها، إذ قررت المادة (29) استحقاق منفعة كبار السن بواقع (115) ريالًا شهريًا عند توافر شروط الجنسية وبلوغ سن كبار السن والإقامة وفق المادة (8)، جاءت المباركة السامية لتضيف معيارًا ماليًا حاسمًا في الاستحقاق، يقوم على استمرار صرف المنفعة لمن يكون دخله الشهري (1020) ريالًا عمانيًا، ثم خفض الاستحقاق تدريجيًا لمن تزيد دخولهم على (1020) ولا تقل عن (1250) ريالًا شهريًا، وصولًا إلى عدم الاستحقاق لمن بلغ دخله (1250) ريالًا فأعلى. وبذلك انتقلت المنفعة، وفق المباركة السامية، من كونها «استحقاقًا مرتبطًا بالسن والإقامة» إلى «استحقاق يستند أيضًا إلى معيار الدخل» يهدف إلى توجيه المنفعة بصورة أدق، مع تبنّي آلية «التدرّج» بدل القطع الفوري عند تجاوز حد معين.
أما التعديل الثاني، والأكثر تماسًا مع تفاصيل حياة الأسر، فقد طال منفعة دعم دخل الأسر، وبالتحديد طريقة احتساب «دخل الأسرة» عند تحديد الاستحقاق. فالقانون أوكل إلى اللائحة تحديد آلية احتساب دخل الأسرة ومصادر الدخل المشمولة وغير المشمولة، بما في ذلك إمكان احتساب «الدخل الافتراضي من الأصول» و«الدخل المكافئ للقدرة على العمل» وفق المادة (42)، مع بيان الأصول أو الدخول المستثناة. وفي هذا الإطار جاءت المباركة السامية لتقرّر استثناءً واضحًا ومباشرًا: عدم احتساب نفقة الأبناء وأنصبتهم من المعاشات ضمن دخل أسرة الأرملة أو المطلقة عند حساب منفعة دعم دخل الأسر. وهذا التحول يعالج إشكالية عملية كانت قد تنشأ عندما تُحتسب مبالغ موجّهة أصلًا للأطفال أو حصصهم التقاعدية كدخل على الأسرة بما يقلّص قيمة المنفعة المستحقة للأم، رغم أن تلك المبالغ ليست بالضرورة «دخلًا متاحًا للإنفاق العام» للأسرة.
وفي السياق ذاته، جاءت المباركة السامية بإلغاء احتساب «الدخل المكافئ للقدرة على العمل» عند احتساب منفعة دعم دخل الأسر لعدد من الحالات المحددة، وهي الأنثى غير المتزوجة التي بلغت (40) عامًا فأكثر، والمطلقة التي لديها أولاد وبلغت (40) عامًا فأكثر، والمطلقة التي لديها أولاد ليسوا في حضانتها، والأرملة التي ليس لديها أولاد. وبموجب هذا التعديل، أصبح سقف المنفعة المستحقة لهذه الحالات يصل إلى (115) ريالًا شهريًا كحد أقصى بدلًا من (80) ريالًا عمانيًا. وهنا تظهر المقارنة بوضوح: فالقانون لم يحدد داخل مواده «80 ريالًا» كقيمة لمنفعة دعم دخل الأسر، بل حدد القيمة المستهدفة لأسرة الفرد الواحد بـ(115) ريالًا في المادة (40)، بينما ترك تفاصيل الاحتساب والمتغيرات التي قد تخفّض الاستحقاق للائحة وآلياتها، ومنها الدخل المكافئ للقدرة على العمل. وجاءت المباركة السامية لتحدّ من أثر هذا المتغير على حالات اجتماعية بعينها، وتُعيد ضبط الحد الأعلى المستحق لها بما يرفع كفاية الدعم ويقلّل أثر الافتراضات الحسابية على واقع تلك الفئات.
ويتصل التعديل الثالث بإعادة تعريف بعض الحالات التي تُعامل «في حكم الأسرة المستقلة» لأغراض استحقاق منفعة دعم دخل الأسر. فالقانون في المادة (41) رسم إطار الأسرة ضمن المنفعة، واعتبر ضمن الأسرة البنات غير العاملات اللاتي لم يبلغن (40) عامًا إذا كن غير متزوجات أو مطلقات بلا أبناء، كما عدّ في حكم الأسرة حالات مثل المطلقة بلا أبناء (40 فأكثر) وغير المتزوجة (40 فأكثر) والأرملة والمطلقة التي لديها أبناء. وجاءت المباركة السامية لتضيف فئة جديدة ضمن من تُعد في حكم الأسرة المستقلة: البنات والمطلقات يتيمات الأب من عمر (31) إلى (39) عامًا. وبذلك توسّع نطاق «الاستقلال الأسري» لفئة عمرية كانت قد تقع في منطقة وسط بين تعريفات الأسرة في المادة (41) وما تفرضه بعض شروط الاحتساب، لتصبح مؤهلة بصورة أوضح لاستحقاق منفعة دعم دخل الأسر وفق وضعها الخاص.
أما التعديل الرابع فتركّز على معاش الوفاة ومستحقيه، وهو تعديل يحمل دلالة اجتماعية وتنظيمية في آن واحد. فالقانون في الباب الثالث، وتحديدًا المادة (111)، حصر المستحقين لمعاش الوفاة في الأبناء والبنات (ويشمل الطفل المحتضن بشروط)، والأرمل، والأرملة، مع تفصيل شروط الاستحقاق في المادة (112). وجاءت المباركة السامية لتضيف فئة الآباء والأمهات كمستحقين لمعاش الوفاة بشرط ألا يكون للمؤمّن عليه المتوفى أي مستحقين آخرين من فئة (زوج أو زوجة أو أبناء)، وفي حال عدم وجود الأب والأم يعد كلٌّ من الجد والجدة في حكمهما. وبذلك توسّع المباركة السامية «دائرة الاستحقاق الاحتياطية» لمعاش الوفاة لتشمل الوالدين ثم الأجداد، عند غياب الفئات الأساسية، وهو ما لا يرد ضمن تعداد المستحقين في المادة (111) وفق الصيغة الواردة في القانون.
وعند جمع خيوط التعديلات الأربعة في صورة واحدة، يمكن القول إن المباركة السامية اتجهت إلى ثلاثة مسارات متكاملة: مسار الاستهداف المالي عبر إدخال سقوف الدخل والتدرج في منفعة كبار السن، ومسار حماية كفاية منفعة دعم دخل الأسر عبر إعادة ضبط عناصر الاحتساب واستثناء نفقة الأبناء وأنصبتهم من المعاشات وإيقاف أثر الدخل المكافئ للقدرة على العمل لفئات محددة ورفع سقف المنفعة لهذه الحالات، ومسار توسيع نطاق الحماية في معاش الوفاة بإضافة الوالدين ثم الأجداد عند غياب الزوج/الزوجة والأبناء، إلى جانب توسيع حالات «الأسرة المستقلة» لفئة عمرية جديدة من يتيمات الأب.
وتمثل هذه المقارنة بين نص المباركة السامية ونص قانون الحماية الاجتماعية مثالًا عمليًا على أن التشريع في الملفات الاجتماعية لا يقف عند حد إصدار القاعدة العامة، بل يستمر عبر المراجعات والتحسينات التي تستجيب للتطبيق وتفاصيل الواقع، مع المحافظة على البنية القانونية الأصلية. وفي المحصلة، فإن التعديلات التي تضمنتها المباركة السامية اليوم تؤشر إلى رغبة واضحة في جعل الاستحقاق أكثر دقة، وتقليل الآثار الجانبية لآليات الاحتساب على الفئات الهشّة، وتعزيز العدالة في توزيع المنافع، بما يرسّخ فلسفة الحماية الاجتماعية بوصفها حقًا مصممًا وفق الاحتياج الحقيقي، لا وفق القراءة الحسابية المجردة.




























